هل يتجه العالم نحو أزمة عن غير علم؟
لا تنفك المخاطر العالمية تتزايد، وعلى الرغم من ذلك فإن غياب الرغبة الجماعية للتصدي لها أمر واضح، بل على العكس، فإن الانقسامات تتزايد وتقوى هي الأخرى. وإن موجة انتقال العالم إلى مرحلة جديدة من السياسات المتمحورة حول الدول (الانفرادية القومية)، والتي أشار إليها تقرير المخاطر العالمية في العام الماضي، استمرت طوال عام 2018. وإن فكرة استعادة السيطرة - سواء داخلياً من المنافسين السياسيين، أو خارجياً من المنظمات متعددة الجنسيات أو الغير الوطنية – باتت أمراً ملموساً في مختلف أنحاء العالم، وفي العديد من القضايا.

وإن الطاقة التي تنفق الآن على ترسيخ أو استعادة السيطرة الوطنية قد تؤدي إلى إضعاف الاستجابات الجماعية للتحديات العالمية الناشئة. وعليه فإننا ننغمس أكثر فأكثر في مشكلات عالمية، لن يكون تخليص أنفسنا منها سهلاً.

خلال عام 2018، بدأت مخاطر الاقتصاد الكلي تتخذ شكلاً أكثر حدة، فازدادت تقلبات الأسواق المالية وتكثفت الرياح المعاكسة التي تواجه الاقتصاد العالمي. هذا ويبدو أن معدل النمو العالمي بلغ ذروته، حيث تشير أحدث توقعات صندوق النقد الدولي إلى حدوث تباطؤ تدريجي خلال السنوات القليلة المقبلة1.

ويعود هذا في الأساس إلى التطورات في الاقتصادات المتقدمة، إلا أن توقعات حدوث تباطؤ في الصين من 6.6% عام 2018 إلى 6.2% هذا العام و5.8% بحلول عام 2022 يشكل مصدراً للقلق، وكذلك عبء الديون العالمية، والتي باتت أعلى بكثير مما كانت عليه قبل الأزمة المالية العالمية، أي حوالي 225% من الناتج المحلي الإجمالي. بالإضافة إلى ذلك، فقد فرض تضييق الأوضاع المالية العالمية ضغوطات شديدة على الدول التي كانت تعمل على تحصيل الخصوم المقومة بالدولار في الوقت الذي كانت أسعار الفائدة فيه منخفضة.

يرى التقرير أيضاً أن التوترات الجيوسياسية والجيو-اقتصادية تزداد بين القوى العظمى، وأنها تمثل المخاطر العالمية الأكثر إلحاحاً في الوقت الحالي. ويشير التقرير أيضاً إلى أن العالم يتطور بشكل يتجه نحو التباعد بعد فترة من العولمة أدت إلى تغيير عميق في الاقتصاد السياسي العالمي. وإن إعادة تشكيل علاقات البلدان المندمجة بشكل عميق أمر محفوف بالمخاطر المحتملة، خصوصاً وأن العلاقات التجارية والاستثمارية بين العديد من قوى العالم كانت صعبة للغاية عام 2018.

وعلى هذه الخلفية، فإنه من المرجح أن يكون تحقيق تقدم جماعي في التحديات العالمية الأخرى (كحماية البيئة، والاستجابة للتحديات الأخلاقية للثورة الصناعية الرابعة) أمراً صعباً. هذا وتشير الشقوق العميقة في النظام الدولي إلى أن المخاطر الشاملة تتراكم. وعلى الرغم من أن المستويات اللازمة من التعاون والدعم ستتوافر إذا ما ضربت أزمة عالمية أخرى، إلا أن التوتر بين عولمة الاقتصاد العالمي وشعور الانفرادية القومية المتنامي في السياسة العالمية يعتبر خطراً عميقاً.

تستمر المخاطر البيئية في السيطرة على نتائج الدراسة المسحية السنوية للمخاطر العالمية (GRPS) حيث استحوذت على ثلاثة من أهم خمسة مخاطر من خلال احتمالية الحدوث، وأربعة من حيث التأثير. وشكّل الطقس القاسي القلق الأكبر، إلا أن من شملتهم الدراسة يشعرون بقلق متزايد بشأن فشل السياسة البيئية، فبعد أن انخفض ترتيب خطر "فشل التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه" نسبياً بعد اتفاقية باريس، عاد اليوم ليتصدّر المركز الثاني من حيث التأثير، هذا وقد أصبحت نتائج التقاعس المناخي أكثر وضوحاً.

تعتبر الوتيرة المتسارعة لضياع التنوع البيولوجي مصدر قلقٍ خاص، خصوصاً وأن وفرة الأنواع انخفضت بنسبة 60% منذ عام 1970. ولا بد من الإشارة إلى أن ضياع التنوع البيولوجي في سلسلة الغذاء البشري له تأثير كبير على الصحة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى ما يترتب على ذلك من آثار على الرفاهية والإنتاجية، وحتى الأمن الإقليمي.

تستمر التكنولوجيا في لعب دور عميق في تشكيل مشهد المخاطر العالمية. وقد برزت المخاوف بشأن الهجمات السيبرانية والاحتيال في البيانات بارزة مجدداً في الدراسة المسحية السنوية للمخاطر العالمية (GRPS) والتي سلطت الضوء أيضاً على عدد من نقاط الضعف التكنولوجية الأخرى، حيث يتوقع حوالي ثلثي المجيبين ارتفاع المخاطر المرتبطة بالأخبار المزيفة وسرقات الهوية عبر الانترنت في عام 2019، في حين أن ثلاثة أخماس المشاركين أشاروا إلى مخاوفهم بخصوص فقدان خصوصية الشركات والحكومات.

شهد العام الماضي خروقات وسرقات هائلة للبيانات، الأمر الذي كشف نقاط ضعف جديدة في الأجهزة. هذا وأشارت البحوث إلى استخدامات محتملة للذكاء الاصطناعي في تصميم هجمات إلكترونية أكثر فعالية. إلى ذلك قدم العام الماضي دلائل عدة على أن الهجمات السيبرانية تشكل مخاطر على البنية التحتية الحيوية، مما دفع الدول إلى تعزيز دراستها للشراكات عبر الحدود لأسباب تتعلق بالأمن القومي.

يجب ألا تُنسينا أهمية التغييرات الهيكلية المختلفة التي تتشكل، الجانب الإنساني للمخاطر العالمية. فبالنسبة للعديد من الناس، يزداد القلق والوحدة والتعاسة يوماً بعد يوم، وتطال مشكلات الصحة العقلية حوالي 700 مليون شخص حول العالم. أما التحولات المعقدة - الاجتماعية والتكنولوجية والمتعلقة بالعمل - فلها تأثير عميق على تجارب الناس الحياتية، ولعلّ القاسم المشترك هو التوتر النفسي المتعلق بالشعور بعدم السيطرة في مواجهة المجهول. تستحق هذه القضايا المزيد من الاهتمام، حيث أن تدني مستويات الراحة النفسية والعاطفية هي خطر بحد ذاته - ولها تأثير على المشهد الكلّي للمخاطر العالمية، ولا سيما من خلال التأثيرات على التماسك الاجتماعي والسياسي.

تتعلق مجموعة أخرى من المخاطر التي يتم تضخيمها من خلال التحولات العالمية بمسببات الأمراض البيولوجية. بمعنى آخر، فإن التغيرات في طريقة حياتنا أدت إلى زيادة خطر حدوث تفشي مدمر بشكل طبيعي، وإن التكنولوجيات الناشئة تُسهم في تسهيل تصنيع التهديدات البيولوجية الجديدة وإطلاقها إما عن سابق إصرار، أو عن طريق الصدفة.

ويرى التقرير بإن العالم غير مستعد بتاتاً لأية تهديدات بيولوجية حتى البسيطة منها، الأمر الذي يجعلنا عرضة للتأثيرات الضخمة المحتملة على حياة الأفراد والرفاهية المجتمعية والنشاط الاقتصادي والأمن القومي. ويشير التقرير إلى أنه على الرغم من أن التكنولوجيات الحيوية الثورية الجديدة تعد بتقدم معجز، إلا أنها تخلق أيضاً تحديات مرعبة فيما يخص التحكم بالطبيعة - كما اتضح من المزاعم التي انتشرت العام الماضي بخصوص إنتاج أطفال معدلين جينياً ووراثياً.

إن المدن سريعة النمو والآثار المستمرة لتغير المناخ تجعل الناس أكثر عرضة لارتفاع مستويات سطح البحر. وتشير التوقعات إلى أن ثلثا سكان العالم سيعيشون في المدن بحلول عام 2050، بينما اليوم يعيش حوالي 800 مليون شخص في أكثر من 570 مدينة ساحلية معرضة لارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 0.5 متر بحلول عام 2050. يشكّل التمدّن حلقة مفرغة من المخاطر بدون حلول، فهو يزيد عدد الناس والممتلكات في المناطق ذات المخاطر المحتملة الحدوث، ويؤدي في الوقت ذاته إلى تفاقم هذه المخاطر.

فعلى سبيل المثال يؤدي التمدن إلى تدمير المصادر الطبيعية للقدرة على التحمل مثل غابات القرم الساحلية وزيادة الضغط على احتياطيات المياه الجوفية، وسيؤدي التمدن الكثيف إلى زيادة كمية الأراضي غير الصالحة للسكن. هذا ويحدد المنتدى ثلاث استراتيجيات رئيسية للتكيف مع ارتفاع مستوى سطح البحر: تشمل الأولى المشاريع الهندسية لاستبقاء المياه، والثانية الدفاعات القائمة على الطبيعة، والثالثة الاستراتيجيات القائمة على الأفراد، مثل نقل الأسر والشركات إلى أماكن أكثر أماناً، والاستثمار في رأس المال الاجتماعي لجعل المجتمعات المعرضة لخطر الفيضانات أكثر تحملاً.

يركز التقرير في قسم الصدمات المستقبلية مجدداً على احتمالية النتائج الهائلة للمخاطر الصُغرى والتي قد تؤدي إلى تدهور كبير وتتسبب في تبلور مخاطر متتالية وبسرعة هائلة. إن كل واحدة من الصدمات العشرة التي يطرحها التقرير ليست توقعات، وإنما هي سيناريوهات لبعض المخاطر التي قد تطرأ، ودعوة جماعية للتفكير الإبداعي في المخاطر و"توقع ما هو غير متوقع". ومن المواضيع التي تم تناولها هذا العام، التشفير الكمّي، والشعوبية النقدية، والحوسبة العاطفية، وانتهاء حقوق الإنسان.

أما في قسم إعادة تقييم المخاطر، يشارك الخبراء أفكارهم حول كيفية إدارة المخاطر. وفي تقرير هذا العام، يناقش جون غراهام وزن المقايضات بين المخاطر المختلفة، ويكتب أندريس تيلسيكيك وكريس كليرفيلد عن الكيفية التي يمكن للمدراء من خلالها التقليل من مخاطر الفشل النظمي في مؤسساتهم. وفي قسم الإدراك المتأخر، يعاد النظر في ثلاثة من الموضوعات التي تناولتها التقارير السابقة، وهي الأمن الغذائي، والمجتمع المدني، والاستثمار في البنية التحتية.

 

المصدر: weforum

الأكثر قراءة