انخفضت تداولات قطاع السلع الأساسية للأسبوع السادس على التوالي مع تسجيل خسائر إضافية في الطاقة والمعادن، الثمينة منها والصناعية على حدّ سواء، بينما قوبلت هذه الخسائر بأسبوع جديد من المكاسب التي حققها القطاع الزراعي. وإلى جانب الزيادة الأخيرة في قيمة الدولار وتجدد تدابير الإغلاق بسبب كوفيد-19 في أوروبا ومخاطر تباطؤ الاقتصاد الصيني، أضخم مُستهلك للمواد الخام في العالم، فوجئت الأسواق يوم الجمعة باكتشاف متحور جديد لفيروس كورونا.

وكان المتحور الجديد الذي يحمل الرمز العلمي B.1.1.529، دون اختيار أي اسم مُحدد بعد، قد اكتُشف في جنوب أفريقيا، مما أثار مخاوف المراقبين الذي يعتقدون بأنّ اللقاحات الحالية لن تكون فعّالة ضدّ التحورات الكبيرة فيه، ما قد يُسفر عن ضغوطات جديدة على أنظمة الرعاية الصحية ويُعقد من الجهود المبذولة لإعادة فتح الاقتصادات والحدود.



وأسفرت هذه المخاوف عن ظهور موجة من الحذر في الأسواق العالمية يوم الجمعة مع تراجع أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم وانعكاس مسار عائدات سندات الخزينة الأمريكية بعد ارتفاعها في وقت سابق من الأسبوع في ضوء زيادة المخاطر بشأن توجه البنوك المركزية إلى تسريع مساعيها لتسريع عودة الاقتصاد إلى طبيعته لمواجهة مستويات التضخم المتزايدة. وأمّا في أسواق تداولات العملات، تحسّن أداء الين الياباني بالتزامن مع انعكاس المسار التصاعدي للدولار الأمريكي، الذي سجّل أعلى مستوياته منذ 16 شهراً في وقت سابق من الأسبوع، في خطوة وضعت قدراً من الضغوط على المراكز الحيازية الطويلة المتخذة مؤخراً.

ومن جانبه، تعافى الذهب بعد ما سجّله من هبوط بقيمة 70 دولاراً خلال أسبوع واحد عندما حفّز الهبوط لما دون المستوى الفنّي عند 1830 دولاراً للأونصة عمليات البيع في أسهم صناديق التحوّط التي أنشأت مؤخراً. وتراجع النفط الخام بعد أسبوع حافل شهدته سوق الطاقة بدءاً من السحب المنسّق أمريكياً للنفط من المخزونات الاستراتيجية، في حركة أثارت المخاوف من طبيعة ردّ مجموعة أوبك بلس، التي من المقرر أن تجتمع في الثاني من ديسمبر لتحديد أهداف الإنتاج لشهر يناير وما بعده، بحسب التوقعات.

وحافظت السوق الزراعية على حيادها في ضوء هذه التطورات، مع تسجيل مؤشر بلومبيرج الزراعي لأعلى مستوياته منذ سبعة أعوام متأثراً بالمكاسب المستمرة في القهوة والمحاصيل الأساسية، مثل القمح والذرة وفول الصويا. وتُعزى المكاسب الكبيرة المحققة مؤخراً لمجموعة من الأسباب المتفرقة، والتي ترتبط بالطقس المضطرب الذي شهدناه خلال العام، واحتمالية تأثر الإنتاج لموسم جديد بسبب التطورات المرافقة لظاهرة لا نينيا المناخية، وما يُمكن لزيادة الطلب بعد الأزمة الصحية العالمية أن تُسفر عنه اضطرابات واسعة النطاق في سلاسل التوريد ونقص في اليد العاملة، ويُضاف إليها ارتفاع تكاليف الإنتاج مؤخراً بسبب زيادة أسعار الأسمدة والوقود، مثل الديزل. تعتزم منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إصدار تقرير "مؤشر أسعار الغذاء" الشهري في الثاني من ديسمبر المقبل، ومن المتوقع أن يصل المؤشر إلى أعلى مستوياته منذ عقد كامل، في أعقاب المكاسب الأخيرة التي حققها خلال شهر نوفمبر.

وكان الحديد، إلى جانب القهوة، من أفضل السلع الأساسية أداءً، والذي تمكّن، بالرغم من ضعف أدائه يوم الجمعة، من التعافي من الهبوط الأخيرة مدفوعاً ببوادر انتعاش قطاع الصلب في الصين من جديد، الأمر الذي حرّك الطلب على السلعة الأكثر تعلقاً بالصين من بين حزمة السلع الأساسية بأكملها. وأمّا في أوروبا، استمرت أزمة الطاقة مع إسهام الزيادة التي تتخذ طابعاً عقابياً في أسعار الغاز والكهرباء في رفع تكاليف العقود المستقبلية لوحدات مسموحات الانبعاثات بالاتحاد الأوروبي إلى مستويات قياسية، في خطوة لمحاولة دعم الطلب على أنواع الوقود الأكثر نظافة، مثل الغاز، الذي يُعاني من شُح الإمدادات حالياً، ومن أجل التعويض عن زيادة الطلب على أنواع الوقود الأكثر تسبباً بالتلوث، مثل الفحم. وشهدت السوق بعض الارتياح جرّاء تدفقات الغاز الطبيعي المُسال، التي وصلت إلى أعلى مستوياتها من ستة أشهر، لا سيما في ضوء عدم وجود أيّ بوادر بعد لزيادة تدفقات الغاز من روسيا.



كان النفط الخام في طريقه لتسجيل الأسبوع الخامس على التوالي من الخسائر مدفوعاً بشكل رئيسي من المخاوف بفرض الإغلاقات الجديدة والحد من القدرة على التنقل بسبب المتحور الجديد المكتشف مؤخراً في جنوب أفريقيا. وخسر مؤشر ستوكس 600 للسفر والترفيه 16% من قيمته خلال الأسابيع الثلاثة الماضية مع إمكانية اتساع نطاق حالات الإغلاق المتجددة في أوروبا إلى مناطق أخرى في جميع أنحاء القارة. وقبل ذلك، أدّى السحب المنسّق في أمريكا للنفط من المخزونات الاستراتيجية إلى زيادة الأسعار تحسُباً لأي إجراء مضاد من قبل مجموعة أوبك بلس.

ومن ناحيتها، لم تجد مجموعة أوبك بلس أي مبرر للسحب من الاحتياطات البترولية الاستراتيجية، لا سيما في ضوء الظروف الحالية، الأمر الذي قد يدفعها للحد من أيّ زيادة مستقبلية في الإنتاج، الذي يستقر حالياً عند 12 مليون برميل شهرياً تقريباً. وقد تُضطر الدول الأعضاء في المجموعة، خلال اجتماعها في الثاني من ديسمبر المقبل، إلى الحد من أيّ زيادة مقررة في الإنتاج كإجراء مضاد للقرار الأمريكي أو بهدف موازنة تداعياته بشكل جزئي، لا سيما في ضوء احتمالات زيادة الطلب المدفوعة بالمخاوف المتجددة من كوفيد-19 بالإضافة إلى افتراضات باستقرار سوق النفط في مطلع العام المقبل.

وتُسهم هذه التطورات بشكل مؤكد في زيادة ثقة متداولي النفط بتنامي التقلبات خلال الأسابيع الأخيرة المعروفة بقلة سيولتها من العام. وبعد تداولها دون أعلى مستويات شهر يوليو عند 77.85 دولاراً للبرميل، فلا يفصلنا الكثير عن إعادة تسجيل مستويات الدعم عند أدنى معدلات عام 2020، التي تقف حالياً عند 74.75 دولاراً للبرميل.

ومع ذلك، ما زلنا مُتمسكين بنظرتنا المتفائلة بارتفاع أسعار سوق النفط على المدى الطويل، برغم احتمالية تأخرّها حالياً لعدة أشهر أو فصول، خصوصاً وأنّها ستُعاني من تراجع الإقبال الاستثماري فيها على مدى أعوام مقبلة بسبب فقدان كبرى شركات النفط للحافز لدخول أيّ مشروعات ضخمة، ما يُعزى جزئياً لغموض الآفاق المستقبلية للطلب على النفط، وبشكل متزايد إلى قيود الإقراض المفروضة على البنوك والمستثمرين كنتيجة للتركيز على جوانب الحوكمة والمسؤولية البيئية والاجتماعية والتحول الأخضر.

المصدر: مجموعة ساكسو

ومن جانب آخر، تراجع الذهب إلى ما دون مستوى الدعم عند 1830-1835 دولاراً للأونصة في أعقاب إعادة ترشيح جيروم باول لرئاسة الاحتياطي الفدرالي، إلى جانب توقعات بفرض البيت الأبيض لحدوث تغيير في نطاق التركيز ضمن الاحتياطي الفدرالي. وقد يجد الرئيس بايدن وفريقه أنفسهم مضطرين لاتخاذ قرار بإبقاء باول في منصبه مع تحذيره ومطالبته بتغيير نطاق تركيزه، لا سيما في ضوء احتمالات بتأثر 200 مليون مُوظّف بسبب سياسة الاحتياطي الفدرالي حيال التضخم الرامية إلى دعم ثمانية ملايين شخص من العاطلين عن العمل.

وكان نائب الرئيس الاحتياطي الفدرالي قد أظهر تغيراً واضحاً في التركيز، في أعقاب إعادة ترشيح كُلّ من باول وبرينارد. بينما صرّح باول بقوله: "نُدرك آثار ارتفاع التضخم على العائلات الأمريكية، لا سيما تلك الأقل قدرة على مواجهة التكاليف المرتفعة للمواد الأساسية، مثل الأغذية والسكن والنقل. وسنستخدم جميع أدواتنا لدعم الاقتصاد وتقوية سوق العمل، وسنحرص على عدم ارتفاع معدلات التضخم لمستويات لا يُمكن العودة عنها لاحقاً".

وتأثّر الذهب سلباً بهذه التصريحات، خصوصاً وأنّها منحت الدولار الأمريكي دفعة قوية وخفضت التوقعات بزيادة أسعار الفائدة لعام 2022 من 25 إلى 3 نقاط أساس فقط. وكانت عائدات السندات التي تستحق بعد عشرة أعوام قد بدأت أخيراً بتحدي مستوى المقاومة الرئيسي عند حوالي 1.7%.
بينما تزايدت عمليات تصفية الذهب جرّاء البيانات الصادرة عن لجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية، والتي سلّطت الضوء على ارتفاع مستوى المراكز طويلة الأجل للمضاربات على الذهب في سوق العقود الآجلة بواقع ثلاثة أضعاف لتُسجل أعلى مستوياتها على مدى 14 شهراً، لا سيما بعد المفاجأة الكبيرة الصادرة مؤخراً عن مؤشر الأسعار الاستهلاكية لشهر نوفمبر.

وكانت هذه التطورات قد شهدت تراجعاً حادّاً يوم الجمعة عند انتشار أخبار المتحور الجديد للفيروس، ما أدى إلى تعافي قوي في مستوى الذهب لما فوق 1800 دولاراً للأونصة. وكان التعافي الأولي مدفوعاً بشكل واضح من الطلب على الملاذات الآمنة، مع تراجع العملات المشفرة بأكثر من 10%، ووجود الفضة والبلاتينوم في أسفل جدول الأداء لهذا الأسبوع بسبب انتمائها إلى قائمة المعادن الصناعية، ويُضاف ذلك إلى ما أحدثته التصفية الطويلة من مساحة لظهور مراكز طويلة جديدة. وقد يُسهم هذا التطور في زيادة مهمة الذهب بتحقيق أي تقدم جديد.

ومن الناحية الفنية، يحتاج الذهب للارتفاع مروراً بنطاق مقاومة يبدأ عند 1816 دولاراً للأونصة، بينما ستكون أيّ زيادة فوق حاجز 1840 دولاراً للأونصة بمثابة مؤشر على تحقيق ما يكفي من التعافي لتشجيع إطلاق دورة جديدة فوق 1877 دولاراً للأونصة. وتعتمد الكثير من المعطيات على مدى قدرة اللقاحات على إثبات فاعليتها ضد المتحور الجديد، الأمر الذي قد يؤدي إلى تجنّب أيّ تداعيات اقتصادية أكبر وقعاً.


المصدر: مجموعة ساكسو

بقلم أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع لدى ساكسو بنك


المصدر: actionprgroup