عزز قطاع السلع الأساسية قوته خلال الأسبوع الماضي، مع تراجع التركيز ذي التأثير السلبي المحتمل على الأسعار على مجموعة إيفرجراند الصينية وقدرتها على تغطية ديونها. وتُسهم جهود بنك الشعب الصيني المتواصلة لضخ السيولة في النظام المالي بالحدّ من حدوث مخاطر في أسواق أخرى خارج الصين، مع استمرار احتمالية كشف شركة التطوير العقاري ذات المديونية الأكبر عالمياً بالكشف عن مزيد من المفاجآت.

وتراجع مؤشر إم إس سي آي العالمي بنسبة 4% قبل انتعاشه مجدداً، ما أطال الفترة التي شهدنا فيها تصحيحاً في أسواق الأسهم العالمية بواقع 5% آخر مرة إلى 233 يوماً؛ ما يُمثل أحد الأسباب الرئيسية لمعاناة المعادن الاستثمارية كالذهب والفضة خلال العام الجاري. وبرغم ارتباطه الوثيق غالباً بالتحركات التي يشهدها الدولار والعائدات، يرتبط الطلب على الذهب أيضاً بشكل عكسي بمستويات الثقة بالأصول المالية، والتي تُحافظ حالياً على أعلى مستوياتها على الإطلاق إلى جانب تقييمات الأسواق المالية.

ويُعد الارتفاع المفاجئ في عائدات السندات الأمريكية واحداً من العوامل التي أسهمت في رسم ملامح أجندة السلع الأساسية خلال الأسبوع الماضي، وخصيصاً العائدات ذات الارتباط العكسي الوثيق بعائدات الخزينة والدولار الأمريكي. كما مهّد بنك إنجلترا الطريق لهذا التوجه يوم الخميس، في أعقاب مفاجأة المستثمرين بتأييده للموعد المعتمد لأول زيادة في أسعار الفائدة. من ناحية ثانية، حدّدت عمليات تصفية السندات المضمونة معدلات الزيادة في منطقة اليورو قبل أن تتبعها سندات الخزينة الأمريكية، لتتسبّب في أضخم زيادة تشهدها عائدات سندات الخزينة الأمريكية المستحقة بعد عشرة أعوام خلال يوم واحد منذ أشهر.



وحافظ قطاع الطاقة على استقراره في مواجهة جميع المخاوف الآتية من الصين ومخاطر ارتفاع عائدات الخزينة، حيث واصلت أسعار النفط الخام والغاز والفحم والطاقة ارتفاعها في ظلّ شُح الإمدادات وقوة الطلب. وسجّل خام برنت، المعيار العالمي للنفط، أعلى مستويات التسوية منذ عام 2018، بينما وصلت أسعار الغاز في المركز الهولندي تي تي إف في أوروبا لمستوى قياسي عند 76.5 يورو لكل ميجاواط ساعي أو 26 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية أو 150 دولار لكل برميل من مكافئ النفط، قبل أن تُسهم الزيادة في معدلات توليد الطاقة من الرياح في الاتحاد الأوروبي في كبح جماح الأسعار.

أمّا في الولايات المتحدة الأمريكية، تشهد العقود الآجلة لغاز مركز هنري هوب الطبيعي تداولات فوق 5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بينما تُشير التوقعات الفنية إلى حدوث نمو جديد بعد استكمال التصحيح بنسبة 50% للزيادة بين أغسطس وسبتمبر لأعلى مستوى مُسجل منذ سبعة أعوام ونصف. ويُعزى ذلك بشكلٍ أساسي إلى ارتفاع الطلب على تصدير الغاز الطبيعي المُسال ويأتي في أعقاب ما أظهره تقرير أسبوعي حكومي من محدودية المخزونات قُبيل الوصول إلى ذروة الطلب خلال موسم الشتاء، كما هي الحال في أوروبا أيضاً.

المصدر: مجموعة ساكسو

يتجه النفط الخام نحو أسبوعه الخامس من المكاسب مع ظهور مصادر متعددة للدعم. وأدى إعصار إيدا في الولايات المتحدة إلى إزالة ما يزيد عن 30 مليون برميل من السوق، مع تسجيل عودة بطيئة ومطولة إلى المستويات السابقة للإعصار. وكنتيجة لذلك، انخفضت مخزونات الولايات المتحدة من النفط الخام والبنزين إلى أدنى مستوياتها منذ ديسمبر لعام 2019. ومن شأن الزيادة في استهلاك الوقود خلال موسم الشتاء في النصف الشمالي من الكرة الأرضية كبديل للغاز باهظ الثمن أن يُعزز من الطلب العالمي الذي شهد تعافياً فعلياً. وإلى جانب ذلك، كان من الواضح خلال الأشهر القليلة الماضية بأنّ بعض أعضاء مجموعة أوبك بلس، لا سيما نيجيريا وأنغولا وكازاخستان، قد عانت للوصول إلى حصّتها من الإنتاج، ما أسهم في تعزيز قوة السوق.

وكانت أول عملية بيع تاريخية من احتياطات الصين الاستراتيجية لتُواجه الارتفاع الحالي، برغم ما اتسمت به من محدودية تأثيرها على الأسعار. واتجهت الصين خلال الأشهر القليلة الماضية إلى بيع المعادن الصناعية من مخزوناتها في محاولة لمواجهة زيادة تكاليف المُدخلات، والتي شهدت تضخم الأسعار على باب المصنع لأعلى مستوياتها منذ 13 عاماً. وقد تكون عملية البيع الأولى لحوالي 7.4 مليون برميل نفط متبوعة بالمزيد خلال الأسابيع المقبلة، علماً أن تقديرات شركة وود ماكنزي تُشير إلى إمكانية وصول العرض إلى 82.5 مليون برميل.

ومع ذلك، وفي ظلّ الأثر المحدود لمثل هذا التطور، تُرجّح التوقعات وصول خام برنت إلى 80 دولار للبرميل في وقت أسرع مما كان متوقعاً له سابقاً. ومن وجهة نظر فنية، تُظهر البيانات اليومية وجود بعض المقاومة عند الذروة المسجلة في شهر يوليو عند 77.84 دولاراً للبرميل، بينما يُبين مخطط برنت البياني الشهري اليوم تسجيل أرقام أعلى من الانخفاض عن المستوى القياسي المسجل في عام 2008، في إشارة لاحتمالية تسجيل مزيد من المكاسب في الفترة المقبلة.

المصدر: مجموعة ساكسو

ويستمر الأداء المضطرب لكل من الذهب والفضة؛ والذي يستقر عند انخفاض العائدات، ليعود للتراجع بمجرد ارتفاعها من جديد. ولم يكن هذا الأسبوع حالة استثنائية؛ إذ واصل الذهب تراجعه قبل انطلاق اجتماع اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة يوم الأربعاء وبعده على وجه الخصوص، حيث اتسمت تصريحات رئيس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول بنبرة مؤيدة خلال المؤتمر الصحفي، والتي سلّط فيها الضوء على استعداد الاحتياطي الفدرالي لبدء التناقص التدريجي اعتباراً من نوفمبر مع اعتماد أول زيادة في أسعار الفائدة في أواخر عام 2022. وشهدت الأسواق أكبر تراجع يوم الخميس، عندما فاجأ بنك إنجلترا الأسواق بإعلان عزمه رفع أسعار الفائدة بالفعل في شهر فبراير قبل نظيره في الولايات المتحدة.



من ناحيتها، ارتفعت عائدات السندات الأمريكية المستحقة بعد عشرة أعوام من خلال مستوى مقاومة رئيسي عند 1.4%، بينما زادت العائدات الحقيقية المقابلة بواقع عشر نقاط أساس لتصل إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة أشهر عند 0.89%-. ولا تنحصر قيمة الذهب في كونه مجرد معدن يستجيب لتحركات الدولار والعائدات، الذين أمضيا غالبية العام ضمن نطاقات التسعير السلبي؛ إذ يُستخدم الذهب من قبل مديري الصناديق كأداة للتحوط أو التنويع ضد المخاطر في مختلف فئات الأصول، غير أنّ هذا النوع من الطلب قد انحسر وتحول إلى مصدر جديد للبيع، لا سيما مع وصول الأصول المالية وتقييمات السوق إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.

وبعبارة أخرى، في حال كُنت تعتقد كمُستثمر بأنّ الثقة الحالية في السوق في غير محلها، فإنّ تكلفة شراء التأمين ضدها ستُواصل الانخفاض مع تداول الذهب حالياً على مقربة من أدنى مستوياته التي سجّلها على مدار العام. وسنتابع التطورات في مشهد العائدات على مدى الأسابيع المقبلة عن كثب، لا سيما في ظلّ احتمالية مساهمة العائدات المرتفعة في تعزيز حالة عدم اليقين في مختلف فئات الأصول من جديد، مثل أسهم النمو الحساسة لسعر الفائدة. كما سيُسهم الارتفاع المتواصل في تكلفة غالبية مصادر الطاقة في نهاية المطاف بدعم موقفنا حيال الطابع غير المؤقت للتضخم. ويحتاج الذهب في الوقت الراهن إلى العودة لما فوق حاجز الـ 1835 دولاراً، ونستبعد إلى حين حدوث ذلك وجود سبب رئيسي يدفعنا للاهتمام بإضافة أيّ مراكز جديدة.

المصدر: مجموعة ساكسو

وتعافت المعادن الصناعية في أعقاب الركود الذي تسببت به أزمة شركة إيفرجراند، والذي أسفر عن تعزيز المخاوف حيال مستويات الطلب في الصين، لا سيما من قبل القطاع العقاري الواقع تحت وطأة الضغوط في الوقت الراهن. وجرى تداول خام الحديد، الذي يُعد من أهم مُدخلات عملية إنتاج الصُلب ويُعاني حالياً من حملة الحكومة الصينية لمكافحة الانبعاثات في القطاعات ذات الاستهلاك الكثيف للطاقة، عند معدل 110 دولاراً للطن يوم الجمعة، في أعقاب ركود شديد شهد خلال عدة أشهر فقط تراجع الأسعار لأقل من النصف قبل أن تُسجل أدنى مستوياتها عند 90 دولاراً للطن في وقت سابق من الأسبوع.

كما بقي النحاس، أحد أهم المعادن في قطاع البناء، عالقاً وسط عمليات التصفية، على الرغم من الحفاظ على مستويات الدعم الرئيسية عند 4 دولارات للرطل في نيويورك و8600 دولار للطن في لندن قبل أن تعود الأسعار للتعافي مجدداً. ما يدفعنا لاعتبار هذا كعلامة أخرى على القوة الكامنة في السوق. ولا نزال متفائلين باحتمالية ارتفاع الأسعار مُجدداً، بالرغم مما يعاني منه النحاس، أحد أبرز معادن التحول الأخضر، من تراجع في الأداء عن الذروة المسجلة في شهر مايو الماضي. وبينما نترقب تسجيل ارتفاع قياسي جديد، عند 4.63 دولار للرطل مبدئياً، بهدف تعزيز المزيد من الزخم للشراء، يبقى خطر حدوث تصحيح أوسع قائماً، بالرغم من انخفاضه إلى حد ما في أعقاب فشل المحاولة الأخيرة لخفض الأسعار. ومن هذا المُنطلق، نتمسك برؤيتنا حول قابلية شراء النحاس عند ظهور أي بوادر جديدة لقوة السوق أو حتى أيّ ضعف إضافي محتمل.


بقلم أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع لدى ساكسو بنك


المصدر: actionprgroup


الأكثر قراءة