واصل قطاع السلع ارتفاعه بالتوازي مع تسجيل مؤشر بلومبرج للسلع الفوريّة أعلى مستوياته في عشر سنوات خلال الأسبوع الماضي. ومع ذلك، تبيّن ظهور تباينٍ حاد بين عدّة قطاعات؛ حيث كان الأداء أقل تناغماً مقارنة بالمستويات المُسجلة في النصف الأول من عام 2021.

ولا يزال قطاع المعادن الثمينة الأسوأ من حيث الأداء حالياً وخلال معظم عام 2021؛ حيث واجه هذا القطاع صعوباتٍ لإثبات مكانته وسط أسواق الأسهم المضطربة ومواجهة مخاوف التضخم التي هدأت بفضل احتمال لجوء البنوك المركزية لتخفيض إجراءات التحفيز، ما قد يؤدي بنهاية المطاف إلى ارتفاع عوائد سندات الخزينة وتنامي قوة الدولار الأمريكي.

ويشكّل الدولار عاملاً رئيسياً جديداً يُساعد في تحديد اتجاه ومسار قطاع السلع عموماً؛ إذ يواصل أنشطة تداوله بوتيرة قوية، ما يؤدي إلى تأثيرات مُعاكسة تطال السلع الأكثر حساسية للدولار مثل المعادن الاستثمارية والمنتجات الزراعية الرئيسية. من جهة ثانية، جاءت مبيعات التجزئة الأمريكية أقوى من المتوقع، ما منح الدولار دفعة قوية أخرى، خاصة في ضوء تزايد الطلب على الملاذات الآمنة، وبالتوازي مع التصاعد المُستمر لأزمة شركة إيفرجراند التي تُعد شركة التطوير العقاري الصينية الأكثر مديونية في العالم. وتُظهر المعطيات بأن إخفاق الحكومة الصينية باحتواء أزمة إيفرجراند قد ينقل المخاطر إلى الشركات المماثلة والاقتصاد الصيني بشكل عام.

سوق الغاز والطاقة الأوروبية: على غرار ما حدث خلال الأسبوعين الماضيين، لا يمكننا تجاهل الارتفاع الهائل لأسعار الغاز والطاقة في السوق الأوروبية، والتي تأثّرت بها وبشكل متزايد القطاعات ذات الاستهلاك المكثف للطاقة مثل الكيماويات والأسمدة وصولاً إلى الإسمنت وحتى شركات إنتاج السكر. في ضوء ذلك، برزت هذا العام سلسلة مُستجدات كانت داعمة بشكلٍ مثالي للأسعار، ما أدّى لوصول سعر الغاز إلى مستوى قياسي جديد؛ حيث وصل المركز الهولندي تي تي إف إلى مستوى قياسي شهري له بمقدار نقطةٍ واحدة، ليبلغ 76.5 يورو/ ميجاواط ساعي أو ما يُعادل 26.8 دولار/ مليون وحدة حرارية بريطانية؛ ما يمثل رقماً قياسياً يعادل 150 دولاراً لبرميل النفط.



ووصلت أسعار الحمل الأساسي للطاقة في ألمانيا للعام المقبل إلى 108 يورو/ ميجاواط ساعي؛ وتقترب هذه الأسعار من تخطّي المعدل المتوسط لأجل 5 سنوات بمقدار 2.5 مرة خلال هذه الفترة من العام. وتجدر الإشارة إلى أن المستهلكين البريطانيين كانوا من أكثر المتضررين في هذا السياق؛ حيث شهدت الشبكة الكهربائية البريطانية انخفاضاً حاداً في إمدادات الطاقة الواردة من توربينات الرياح. وسجّل المؤشر البريطاني المكافئ لعقود مؤشر تي تي إف الهولندي ما مقداره 260 يورو/ ميجاواط ساعي قبل أن يُعاود الارتداد والانخفاض مجدداً.

وفيما يلي بعض الأسباب الرئيسية وراء الزيادة الحالية. توجد عدّة عوامل قد تتغيّر وتدفع بالأسعار نحو الهبوط، لكن احتمال التعرّض لشتاءٍ قارس مجدداً هذا العام سثير بالتأكيد مخاوف المستهلكين والقطاع وحتى السياسيين. وقد يتملّك صناع السياسة شعوراً من القلق بشأن انقطاع التيار الكهربائي، حيث يرجع ذلك جزئياً إلى مبادرات التحول الأخضر، ما قد يزيد من صعوبة الاحتفاظ بمستوى الحمل الأساسي المطلوب للشبكة الكهربائية.

حالة انعدام اليقين بشأن بدء تشغيل خط أنابيب نورد ستريم 2، والذي من المُحتمل أن يشكّل بمجرد تشغيله مصدراً إضافياً لإمدادات الغاز
مشاكل إمدادات الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة بسبب الاضطرابات المُرتبطة بإعصار آيدا
انخفاض إنتاج طاقة الرياح في أنحاء أوروبا؛ حيث كشفت شركة أورستد الدنماركية الرائدة بمجال الطاقة المتجددة عن تراجع إنتاج طاقة الرياح ربع السنوي بشكلٍ استثنائي.
انخفاض إنتاج محطات الطاقة المائية النرويجية
تسجيل أدنى مخزون من الغاز قبل ذروة الطلب الشتوي منذ أكثر من عشر سنوات

يتجه النفط الخام لتحقيق مكاسب للأسبوع الرابع على التوالي، على الرغم من موجة الركود الطويلة خلال شهر أغسطس بسبب أزمة كوفيد-19، مع العلم بأن قطاعي النفط الخام والغاز الطبيعي يواصلان تأثرهما بالتداعيات والمستجدات الداعمة للأسعار لإعصار آيدا. ولا يزال منتجو النفط والغاز يكافحون لاستئناف عمليات الإنتاج في المنصات ضمن خليج المكسيك؛ خاصة بعد أن توقعت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري الأخير بخصوص سوق النفط تسجيل خسارة محتملة بأكثر من 30 مليون برميل. وفي ظل استعداد قطاع المصافي لاستئناف العمليات مُجدداً، تم تسجيل انخفاضٍ حاد داعم للأسعار على مستوى مخزون الوقود من البنزين والديزل. إلى جانب ذلك، امتد الارتفاع المذكور في أسعار الغاز العالمية إلى السوق الأمريكية؛ حيث تتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع الطلب بحلول نهاية العام، وسط تلاشي تأثيرات أزمة كوفيد-19 مرة أخرى، وبالتالي سيصبح أداء السوق أكثر إيجابية وتحت السيطرة مجدداً.

ومع ذلك، فإن المخاوف بشأن الطلب الصيني والتعافي المستمر للإنتاج الأمريكي واحتمال توريد المزيد من النفط الخام من الاحتياطيات الاستراتيجية للصين والولايات المتحدة قد يكبح المكاسب قصيرة الأجل الأخرى ويدفعها فوق خط الاتجاه مُتعدد السنوات، ما يعني العودة إلى الذروة القياسية المُسجلة خلال عام 2008، أي أقل من 77 دولار حالياً.

المصدر: مجموعة ساكسو

يواصل الذهب والفضة إظهار أداء مقلق؛ حيث يستقرّان عند انخفاض العوائد ويتراجعا حال تسجيل ارتفاعٍ جديد. ولم يكن هذا الأسبوع حالةً استثنائية؛ إذ تراجع الذهب والفضة بشكلٍ خاص بعد تسجيل قفزة أقوى من المتوقع في أرقام مبيعات التجزئة الأمريكية. وأدى ارتفاع العوائد إلى صعود الدولار وسط تكهنات بإمكانية خفض إجراءات التحفيز خلال فترة قريبة. من جهة ثانية، انخفض الذهب لما دون مستوى الدعم الذي تحوّل إلى مقاومة عند 1780 دولار أمريكي، بينما تراجعت الفضة إلى 22.60 دولار أمريكي، وهو أدنى مستوى لها في شهر أغسطس. وفي هذا السياق، أفاد مدير بلاك روك لإدارة الصناديق وكالة بلومبرج بقيامه بتخفيض الانكشاف على الذهب إلى مستوى الصفر تقريباً، وهي خطوة كررها مُدراء الصناديق الآخرين في الأشهر الأخيرة، لأنهم راهنوا على التعافي الاقتصادي وعودة العوائد الحقيقية إلى مستوياتها الطبيعية.

ومن المتوقع في ضوء ذلك أن تُستبعد سوق المعادن الثمينة من قائمة أولويات الشراء لدى مُدراء الصناديق ما لم تُثبت البيانات خلاف ذلك، وبالرغم من استمرار الطلب القوي في المراكز المادية في الهند والصين ومن جانب البنوك المركزية، نتوقع أن يبقى الذهب مُستقراً في الفترة الحالية ضمن نطاق 200 دولار بين 1700-1900 دولار. ومن المُرجح خلال الأسبوع المقبل أن يتحول التركيز إلى اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة يوم 22 سبتمبر؛ حيث سيتيح ذلك الاجتماع التأكد فيما إذا كان مجلس الاحتياطي الفدرالي سُيباشر تقليص برنامجه الضخم لشراء السندات. ونتوقع أن يُساهم نطاق وسرعة التخفيض في تحديد الاتجاه على المدى القصير، علماً أن تحسن التوقعات يستوجب نجاح الذهب في تخطّي مستوى 1835 دولار مرة أخرى. ونستبعد إلى حين حدوث ذلك وجود سبب رئيسي يدفعنا للاهتمام بمراكز التداول المفتوحة أو إضافة مراكز جديدة.



يمثل خام الحديد أحد المكونات الرئيسية لعمليات إنتاج الصلب كما أنه أكبر صادرات أستراليا، وهو يشهد حالياً أطول فترة من الخسائر اليومية منذ عام 2018. وتواصل عمليات إنتاج الصلب الصيني، الذي انخفض لأدنى مستوى في 17 شهراً خلال أغسطس، تأثّرها بالضغوط بسبب إجراءات التضييق التي تفرضها الحكومات على القطاعات المسببة لمستويات تلوث مرتفعة، بالتوازي مع تسجيل بوادر ضعف في أنشطة القطاع العقاري، ما يمثل تطوراً يحظى حالياً باهتمام متزايد في ضوء المشكلات المُرتبطة بأزمة شركة إيفرجراند الصينية. من ناحية أخرى، تأثرت أسعار العقود الآجلة لخام الحديد في سنغافورة بشكلٍ سلبي؛ حيث انخفضت يوم الجمعة بمقدار خانتين لتبلغ 101.50 دولار للطن، مُقارنة مع الارتفاع القياسي البالغ 230 دولار للطن والمُسجل خلال شهر مايو الماضي.

وسجلت المعادن الصناعية تداولاً ضعيفاً على مدار الأسبوع، لكنها حافظت على ارتفاعها خلال الشهر بسبب الارتفاع الأخير لمعدني الألمنيوم والنيكل، واللذين يشهدان حالة تشديدٍ في المعروض وارتفاعاً في الطلب لأسباب عديدة منها التحول للطاقة النظيفة، واستمرار الصين بكبح الانبعاثات في الصناعات والقطاعات ذات الاستهلاك المُكثّف للطاقة. ويواصل النُحاس، المُستخدم في مجالات وقطاعات عديدة مثل صناعة الأسلاك والإلكترونيات والسيارات الكهربائية، تداوله ضمن نطاقٍ محدود، مع تسجيل توقعات قوية للطلب في المدى الطويل، علماً أن تلك التوقعات تواجه حالياً تحديات بسبب المخاوف المُرتبطة بالنمو في قطاع العقارات الصيني الذي يعتبر مصدراً رئيسياً للطلب على النحاس.

وبالنظر من منظورٍ أوسع، يواصل النحاس، أحد أبرز المعادن المُرتبطة بالتحول الأخضر، اتجاهه الهبوطي علماً أنه استطاع في الوقت ذاته بلوغ قاعٍ مزدوج عند حوالي 3.95 دولار/ رطل. ونترقب حالياً تسجيل ارتفاع أعلى من 4.63 دولار/ رطل لتعزيز زخم الشراء، لكن ينبغي عدم استبعاد مخاطر حدوث موجة تصحيح عميقة. ونعتقد بأن النحاس سيمثل فرصة شرائية مناسبة عند تسجيل ارتفاع جديد وحين رصد أي ضعف إضافي مُحتمل.

ارتفاع أسعار شحن الحاويات: شكّل الارتفاع العالمي المستمر لأسعار شحن الحاويات تطوراً جديداً فرض تأثيره على التكلفة وإمكانية شحن المواد الخام حول العالم. في هذا السياق، أعلنت شركة ميرسك الدنماركية، إحدى أكبر مُلّاك سفن الحاويات في العالم، خلال الأسبوع الماضي عن تحديث بيانات أرباحها لعام 2021 للمرة الثالثة، بسبب الحالة الاستثنائية للسوق. كما ارتفعت أسعار الشحن بسبب حالات الازدحام والاختناقات المستمرة في سلاسل التوريد العالمية التي تكافح لتلبية الطلب على السلع والتغلب على المصاعب المرتبطة باليد العاملة نتيجة انتشار مرض كوفيد-19. ونستبعد أن تنعكس هذه القوى التضخمية في الوقت القريب، حيث من المتوقع حالياً أن تحافظ الأسعار على ارتفاعها حتى عام 2023.

بقلم أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع لدى ساكسو بنك


المصدر: actionprgroup