يتخذ قطاع السلع الرئيسية حتى الآن وضعية دفاعية باستثناء بعض المواد الغذائية الرئيسية، فيما يغيب وضوح التوقعات قصيرة الأجل الخاصة بالنمو والطلب جرّاء الازدياد الأخير في عدد المصابين بكوفيد-19 في الاقتصادات الكبرى. وساعدت ترجيحات عودة بنك الاحتياطي الفدرالي المبكرة أكثر من المتوقع إلى نظام التشديد في ممارسة ضغط صعوديّ على عائدات السندات والدولار، ما خفّض جاذبية الاستثمار في المعادن مثل الذهب والفضة.

ولا تزال آفاق الاقتصاد الكلّي غير واضحةً بفعل الموجة الثالثة الحالية من الأزمة الصحيّة العالمية، والتي تواصل انتشارها في آسيا وأجزاء من الولايات المتحدة الأمريكية، ما يعزز حالة عدم اليقين المعنية بالطلب قريب المدى على النمو الرئيسي، والسلع المعتمدة على الطلب من النفط الخام والبنزين إلى النحاس وخام الحديد. وبناءً عليه، لا نرجّح اتباع الآخرين للتوجّه الأمريكي المتوقع نحو تقليص برنامج شراء الأصول، ما قد يرفع عائدات سندات الخزانة الأمريكية ويعزز قوة الدولار.



وكما في الأسبوع الماضي، حافظت عدة سلع زراعية رئيسية على أدائها القوي مدعومةً بالظروف الحالية للموسم شديد التقلّب في بعض مناطق الزراعة الرئيسية في العالم. وتأثّر محصول قصب السكر بالطقس البارد الذي ضرب أجزاء من البرازيل، وتسبّب بأضرار كبيرة لزراعة البنّ في المنطقة. وفي أماكن أخرى، أدى الارتفاع الشديد في درجات الحرارة والجفاف إلى تخفيض التوقعات من محصول الحبوب هذا العام، ولا سيما الذرة والقمح.

وبحسب الإصدار الأخير من تقرير تقديرات العرض والطلب الزراعية بالعالم، توقّعت وزارة الزراعة الأمريكية أدنى محصول من القمح في الولايات المتحدة منذ 19 عاماً، حيث تعاني التوريدات العالمية مزيداً من التراجع نظراً لمستويات الانخفاض الأكبر من التوقعات في الحقول التي ضربها الجفاف في كندا وروسيا. وأدى الانخفاض المحتمل للشحنات من روسيا – المصدّر الأكبر في العالم – إلى ارتفاع تداولات العقود الآجلة في باريس من قمح الطحين الغنيّ بالبروتين نحو أعلى مستوياتها في ثلاثة شهور لتتجاوز 255 للطن، أي 35% أكثر من المعدل المتوسط لخمس سنوات.

ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا إلى مستوى قياسيّ آخر قبل تراجعها إثر مخاوف الإمداد التي عُوّضت نوعاً ما عبر معنويات أضعف في سوق الطاقة الأوسع نطاقاً جرّاء الموجة الأخيرة من كوفيد-19. وفي الولايات المتحدة، تتجه أسعار الغاز نحو أكبر خسائر أسبوعية لها بعد ارتفاع أسبوعي للأسهم تخطى التوقعات. ويرجّح أن تحدّ توقعات حلول موجة حرّ أخرى من التصحيح مع قلة الإمدادات الشتوية، تماماً كما هي الحال في أوروبا، وهو خطر قد يستمر لدعم الأسعار قبل الشتاء.

وفي أوروبا، أدى الانخفاض غير المبرّر في التدفقات من روسيا، وتزايد المنافسة من آسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال، إلى صعوبة إعادة ملء مواقع التخزين المستنفدة قبل الشتاء المقبل. ودفعت هذه التطورات إلى زيادة الطلب على الفحم الحجري، ما أجبر المنشآت والمستخدمين الصناعيين على شراء مزيد من تصاريح التلوّث التي تشهد أسعارها تداولات قياسية. وبشكل إجمالي، عزّزت هذه التطورات من أسعار الكهرباء المرتفعة التي ستُفرض في نهاية المطاف على المستهلكين، ما سيدفع تكاليف كل شيء نحو مزيد من الارتفاع.



وقضى الذهب معظم الأسبوع في محاولة للانتعاش من انهيار الأسعار الذي أعقب تقرير الوظائف الأمريكية الذي جاء أفضل من التوقعات في 6 أغسطس. وبلغت التوجهات نحو البيع ذروتها خلال الساعات الأولى من جلسة التداول الآسيوية يوم الإثنين الماضي، عندما نجح المعدن الأصفر في اكتساب أكثر من 70 دولار خلال فترة قصيرة. ومع اقتراب أغسطس، تضررت المعنويات نظراً لعجز الذهب عن الارتفاع استجابة لتراجع عائدات سندات الخزانة في يوليو. وهو تراجع انتهى قبل أيام فقط من الركود، عندما سجلت عائدات سندات الخزينة الأمريكية التي تستحق بعد عشرة أعوام أدنى مستوى قياسيّ لها عند 1.22-%.

وبعد مساعيه الحثيثة للارتفاع وسط عوائد مواتية، تحوّل مسار الذهب مباشرة نحو الهبوط عند أول إشارة لعائدات أعلى. وبمجرّد اختفاء المستويات الفنية الرئيسية في النطاق بين 1750 دولار و1765 دولار، أدى توقف عمليات البيع خلال فترة بعيدة تماماً عن السيولة إلى انخفاضها لفترة وجيزة نحو القاع المزدوج لشهر مارس تحت 1680 دولار، حيث ظهرت مجدداً عروض جديدة من مشتري الذهب الفعليين في آسيا.

وتواصل التوقعات قصيرة المدى مواجهة تحديات بسبب ارتفاع مخاطر العوائد وأسعار الدولار قبل الاجتماع المرتقب في جاكسون هول لمحافظي البنوك المركزية أواخر شهر أغسطس؛ وهو الملتقى السنوي الذي استخدم سابقاً لتوجيه مؤشرات حول تغيّر السياسات أو الأولويات إلى السوق.

وسيدفع الإغلاق الأسبوعي لأسعار الذهب فوق 1765 دولار نحو الدخول في اتجاه صعودي، ما قد يساعد في توجيه إشارة داعمة لسوق ما زالت تعاني من تأثيرات الاتجاه الصعودي الأخير. وينبغي أن تلعب الفضّة دوراً لتحقيق الانتعاش المطلوب، إذ لا يزال المعدن الثمين يعاني مع تخطي نسبة أسعار الذهب إلى الفضة 75 أونصة من الفضة مقابل أونصة واحدة من الذهب، وهو أعلى مستوى تسجله هذه النسبة وأضعف قيمة للفضة مقابل الذهب منذ ديسمبر.

المصدر: مجموعة ساكسو

وفيما يخصّ النحاس، تراجع التركيز الأخير والداعم للأسعار على التقلّب المحتمل للإمدادات في تشيلي، حيث صوّت عمال بي إتش بي في منجم إسكونديدا - الذي يمثل 5% من الإنتاج العالمي - بالموافقة على العرض النهائي للأجور. وفي الأسابيع الأخيرة، عوضت تهديدات عرقلة الإمدادات عن ارتفاع حالات الإصابة بكوفيد-19، والمخاوف من دور تباطؤ الصين في إلحاق الضرر بالطلب. ومع تلاشي خطر التقلبات، وعلى غرار النفط، قد تشهد السوق فترة تداولات جانبية ريثما تتم السيطرة على معدلات الانتشار الراهنة للفيروس.

وبينما تحدّدت مستويات المقاومة فوق 4.4 دولار للرطل، جاء الدعم قوياً بنفس القدر تحت 4.20 دولار للرطل. وبشكل عام، ما زلنا نشهد اتجاهاً تصاعدياً أكبر مع وصول سعر رطل النحاس عالي الجودة إلى 5 دولار أمريكي في نهاية المطاف. وقد لا يتحقق ذلك حتى عام 2022، عندما سيقلّ حجم العرض في السوق نظراً لاستمرار الطلب على النحاس من مبادرات التحول الأخضر ومشاريع البنية التحتية ذات الصلة.

ولا يزال النفط الخام من أكبر الخاسرين هذا الشهر، بعد الفضة وخام الحديد. وبعد عدة شهور انصبّ فيها التركيز الرئيسي على أوبك بلس وقدرتها على دعم الأسعار عبر الحفاظ على التشديد النسبي في السوق، عاد التركيز مجدداً نحو التوقعات غير المؤكدة للطلب جراء الانتشار السريع للمتحوّر دلتا، ولا سيما في الصين التي تعتبر المستورد الرئيسي. وهو تطور أدى لانخفاض تصنيفات النمو، وإثارة تساؤلات حول توقعات الطلب على المدى القصير على منتجات النفط والوقود من أكبر مشترٍ في العالم.

وفيما يتوقع بعض المضاربين على الارتفاع في وول ستريت أن تكون الاضطرابات الناجمة عن المتحوّر دلتا مؤقتة مع تأثيرات سلبية تقتصر على الطلب لمدة شهرين، خفّضت أحدث التقارير الشهرية عن سوق النفط، والصادرة عن وكالة الطاقة الدولية وأوبك، من توقعات الطلب خلال الفترة المتبقية من العام. وتدفع الموجة الأخيرة نحو انخفاض متجدد لحركة التنقل في جميع أنحاء العالم. وتتمثل أكبر المخاوف في خروج الأمور في الصين عن السيطرة، حيث تمّ التعامل مع عدد المصابين المنخفض حتى الآن وفق منهجية صارمة للحدّ من انتشار المرض.

ويرجّح أن تمنع المرونة التي أظهرتها أوبك بلس خلال العام الماضي تحقيق تصحيح أعمق، إذا عانى نموّ الطلب من رياح معاكسة أكبر من المتوقع جراء التفشّي الحالي. وبناءً على ذلك، ونظراً لعدم استجابة المنتجين الأمريكيين بالرغم من ارتفاع الأسعار، فإننا نحتفظ بتوقعاتنا المتفائلة حول توجّه الأسعار حتى نهاية العام.

المصدر: مجموعة ساكسو

بقلم أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع لدى ساكسو بنك


المصدر: actionprgroup