شهد عالم الأعمال بعد انتشار جائحة كوفيد-19 حركة إصلاحية فاقت كافة التوقعات، حيث أدى الوباء إلى تحسين مجموعة من المجالات عبر مختلف القطاعات والمؤسسات، بغض النظر عن الاضطرابات غير المسبوقة التي شهدها العالم، وجهود الشركات للصمود في مواجهة التحديات الهائلة، عبر اتخاذ مجموعة من القرارات المصيرية.

وقد حققت سياسات العمل عن بُعد نجاحاً استثنائياً، كما باتت القوى العاملة أكثر رضا، مع تطور الوعي برفاهية الموظف بشكل غير مسبوق، في وقت عملت فرق العمل المختلفة على تحقيق إمكاناتها الكاملة عبر تبني ثقافة الانفتاح والاندماج. ومع تسارع الخطي العالمية، لدخول حقبة ما بعد الوباء، تواجه الشركات في الشرق الأوسط تحدٍ جديد، يتمثل بضرورة استمرار الوعي المستمر هذه النتائج المفيدة، وبذل الجهود الهادفة لضمان الحفاظ على مستويات المرونة والعافية والإندماج، باعتبارها من أهم المكونات التشغيلية لتحسين الانتاجية واستمرارية الأعمال مستقبلاً.

نظرة شاملة لمنطقة الشرق الأوسط
عمل غالبية المهنيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط عن بُعد خلال الـ18 ماضية، وغالباً ما كانوا يقومون بإنجاز أعمالهم بما يتناسب مع راحتهم ووقتهم وقدراتهم. وأدى هذا التوجه، بالإضافة إلى تعزيز المرونة عبر كافة مستويات الأعمال، إلى اعتيادهم على العمل بضغوطات أقل، الأمر الذي دفع بالشركات إلى تبديل اعتباراتها وتغيير استراتيجياتها، بما في ذلك الجمع بين إجراء الاجتماعات الواقعية، واعتماد الإعدادات الافتراضية على نحو دائم. وكانت شركة روبرت والترز لاستشارات التوظيف العالمية، قد أجرت استبياناً أظهر أن 32٪ من المهنيين عبر المنطقة يفضلون نموذج العمل الهجين، حيث يقضون ما لا يقل عن 50٪ من وقتهم في العمل عن بُعد . وفيما أظهر 73٪ تقريباً من المشاركين سعادتهم بالمرونة التي وفرتها سياسات العمل عن بُعد، صرح 31٪ منهم بأنها تشكل عاملاً أساسياً لتعزيز الرفاهية الشخصية .



من المؤكد أن الوباء كان مصدر تهديد لصحة الموظفين، خاصة في البداية، حيث تبنى الكثيرون عادات غير صحية خلال المرحلة الانتقالية لتطبيق سياسات العمل عن بعد. على سبيل المثال، اكتشفت مؤسّسة غالوب ‏للتحليلات والاستشارات أن 35٪ من الموظفين في المملكة العربية السعودية قد أظهروا معدلات عالية من التوتر خلال فترة انتشار الوباء ، بينما أعرب 95٪ من الموظفين في الإمارات العربية المتحدة عن اعتقادهم، بأن بيئة الأعمال الصحية الغنية بالبرامج التي تهتم بصحة ورفاهية الموظفين، تعزز إنتاجيتهم على نحو يفوق مستويات الانتاجية عند العمل عن بعد ، بالإضافة إلى أهمية أجندة التنوع والشمول في تعزيز الأداء التنظيمي للموظفين. ومع وضع هذه البيانات في الاعتبار، فمن المؤكد أن تواجه المؤسسات في الشرق الأوسط مجموعة من التحديات، مع ضرورة الوفاء بالتزاماتها في المجالات السابقة، لضمان استمرارية الأعمال، والارتقاء بأداء الموظفين، وتوفير بيئة أعمال صحية.

الاعتبارات الرئيسية للشركات
أدى انتشار الوباء، إلى إجبار الشركات على تعزيز مستوى الرعاية الصحية والاهتمام برفاهية موظفيهم، ما أدى بالتالي إلى تسليط الضوء على مجموعة من الخيارات القابلة للتطبيق لتحقيق هذه الأولويات. أولاً، يمكن لأصحاب العمل تضمين المرونة في ثقافة الشركة، لاسيما مع توجه العدد الأكبر من الموظفين في المنطقة لتفضيل العمل الهجين، الأمر الذي لا يمكن للمؤسسات تجاهله. ويفترض هذا الواقع، ضرورة اتخاذ خطوات استباقية لمواصلة توفير المرونة التي اعتاد عليها الموظفين، وتوسيع محفظة الممارسات الافتراضية لفرق العمل، وخلق تجارب أكثر تخصيصاً، وتسريع عمليات التطوير والتقدم المهني، والتشجيع على تغيير المسارات الوظيفية. ولا تقتصر المرونة في هذا الإطار على موقع العمل فحسب، بل تطال سلسلة من الترتيبات الواجب اتباعها، لتحسين الإنتاجية مع تعزيز الإندماج والتنوع في مكان العمل.



مع ضرورة الاستمرار في التركيز على قيم الرفاهية والاندماج، والذي سيكون بلا شك نقطة تمايز رئيسية لأصحاب العمل بينما يتطلعون إلى توظيف أفضل المواهب. يجب أن يشعر الموظفون بمدى الاهتمام الذي توليه شركاتهم للعناية بهم على المدى الطويل - وسيكون للموظفين الذين يتمتعون بدرجة عالية من التفاعل والحماس تأثير إيجابي مباشر على إنتاجية الشركة. على هذا النحو، يجب على أصحاب العمل التواصل مع موظفيهم وتشجيعهم بشكل مستمر لتحقيق مستوى صحي من التوازن بين العمل والحياة.

ويترتب على كل ما ذكر، ضرورة توجه الشركات لتغيير ثقافة العمل، وتعزيز قيمة التوازن والاندماج في بيئة الأعمال مع تحمل مسؤولية اجتماعية أكبر. ويتمثل أحد الأمثلة الفعالة في هذا الإطار، بإنشاء برامج مؤسسية ترعى رفاهية الموظفين بالدرجة الأولى، ودعمهم في مواجهة التحديات التي يفرضها الوباء. وقد أجرت مجموعة SHAREit مؤخرًا ورش عمل مخصصة لمواضيع الرعاية الذاتية والصحة العقلية، حيث تم تنظيم مجموعة من الأنشطة التفاعلية والممتعة لموظفيها. وتضمنت ورش العمل جلسات مخصصة لمناقشة استراتيجيات الرعاية الذاتية، والتوازن طويل الأمد بين العمل والحياة، وتمارين التنفس البسيطة لمساعدة الموظفين على الاسترخاء وتخفيف الضغط النفسي والتوتر. وأجريت الجلسات افتراضياً، لتسليط الضوء على دور التكنولوجيا في تعزيز تفاعل الموظفين، وتحسين مستوى الرفاهية في مكان العمل، وتطوير مفهوم التكافل الاجتماعي.



ومن المؤكد أن تساهم الحلول الرقمية، في تسريع جهود الإدماج الناجحة ومبادرات الرفاهية المتنوعة، وتطوير بيئات الأعمال على نحو متكامل، لتكون أكثر مرونة معززة بمفاهيم التوازن والإدماج، وتوفير الدعم الكامل للموظفين، بغض النظر عن موقعهم أو خلفيتهم أو ظروفهم الشخصية.

بالنسبة لشركات الشرق الأوسط، يمكن استشراف المستقبل القريب، باعتباره الفترة المناسبة لوضع أسس الاستدامة والنجاح على المدى الطويل، عبر تعزيز منهاج العمل المرنة بدوام كامل، وتطوير برامج الرفاهية المؤسسية، وتسخير القدرات التكنولوجية، ما يضمن للموظفين القدرة على اختيار نظام العمل الهجين، والاستمتاع ببرامج الرفاهية وثقافة الاندماج في أماكن العمل، لتحسين مستوى الانتاجية حالياً وفي المستقبل.

بقلم: كرم مالهوترا، الشريك ونائب الرئيس العالمي لمجموعة "شيرإت" SHAREit

المصدر: mslgroup.com




فيديو:
أول معاينة عربية: كاميرا فوجي فيلم الجديدة Fujifilm GFX 50Sii