شكّلت جائحة كوفيد – 19 العالمية صدمة لجميع القطاعات والصناعات تقريباً، لكن تجارة التجزئة تحديداً أصيبت بصدمة هائلة نتيجة التدابير التي فرضتها الحكومات للحد من انتشار فيروس كورونا. فالقيود المفروضة على التنقل والسفر وعمليات الإغلاق العام أدت إلى بقاء المولات ومتاجر التسوق الفعلية خالية من الزبائن والزوار لعدة أشهر منذ مطلع عام 2020 في مناطق عديدة في العالم.

ورغم أن الأزمة الاقتصادية التي تلت ذلك أدت إلى تزايد المخاوف بشأن خسارة الإيرادات، والإشغال، والتدفقات النقدية، إلا أن الارتفاع المفاجئ في أنشطة التجارة الإلكترونية دفعت البعض إلى القلق، بل وحتى توقع أن يكون الزبائن قد استقروا على الشراء عن طريق الإنترنت إلى الأبد.

وبما أن قطاع تجارة التجزئة هو من القطاعات الدورية، فليس من الغريب أن يشهد دورات من الازدهار والركود الناجمين عن التوسع والانكماش الاقتصاديين. وقد ساعد هذا الانكشافُ القطاعَ على المحافظة على مرونته في مواجهة عدم اليقين العميق الذي نجم عن هذه الحالة الصحية العالمية غير المسبوقة.

فقد شهدت متاجر التجزئة في أنحاء العالم ارتداداً إيجابياً في إنفاق المستهلكين بعد أن عاودت فتح أبوابها عقب أسابيع أو أشهر من إغلاق هذه المتاجر. وارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 10.7% في الولايات المتحدة الأميركية في مارس 2021، وإن كان ذلك ناجماً نوعاً ما عن الأموال التحفيزية التي قدّمتها الحكومة.1 وفي المملكة العربية السعودية، شهدنا حالة من التعافي الواعد وزيادة مضطردة في حجم المشتريات داخل المتاجر.



لا بديل عن التسوق الشخصي في متاجر التجزئة
لا أحد ينكر أن جائحة كوفيد – 19 قد أسهمت في حصول تغيّر جوهري في سلوكيات المستهلكين، حيث شهدت الاقتصادات الناشئة نمواً هائلاً في التسوق عن طريق الإنترنت. كما أننا ندرك أيضاً أن تأثيرات الجائحة ستستمر لأمد غير قصير في المستقبل.

بيد أن التسوق عن طريق الإنترنت ليس بديلاً عن التسوق الشخصي في متاجر التجزئة حتى الآن. وهناك العديد من العناصر التي تميّز التسوق في المتاجر الفعلية والتقليدية ولا يمكن للتسوق عن طريق الإنترنت أن يحل مكانها، وهنا نعني التسوق العفوي، والقدرة على استذكار التجارب والاستعانة بالحواس، والتفاعل مع الآخرين بطريقة ذات مغزى، وبطبيعة الحال، القدرة على التعامل مع المنتجات بشكل ملموس ومباشر.

التجربة الشخصية هي الميزة الإضافية التي تمتلكها متاجر التجزئة الفعلية على حساب التجارة الإلكترونية، وسيظل المستهلكون يقدّرون قيمة التواصل والتفاعل الإنسانيين. وتساعد خدمة الزبائن وجهاً لوجه المتاجر في تقديم عروض ومنتجات تلبّي الاحتياجات المحددة للزبائن وأوضاعهم الخاصة.

ومع ذلك، فإنني أقدّر أيضاً الآفاق المستقبلية للتجارة الإلكترونية. فشركات التجزئة قادرة من خلال متاجرها الفعلية على توفير تجارب تسوّق أعظم وأكثر تفاعلاً إذا ما استعانت بالتكنولوجيات الرقمية وأدخلتها ضمن بيئات متاجرها ولبّت احتياجات زبائنها للراحة.

التحول الرقمي هو ليس تهديداً بل فرصة إيجابية
يجب على الشركات تعديل نماذجها التجارية لتناسب الواقع الجديد بحيث تكون قادرة على النجاح والازدهار في عالم ما بعد جائحة فيروس كورونا. فالزبائن يريدون التمتع بتجربة سلسلة عبر أقنية التسوق المختلفة، والتحول الرقمي قادر على توفير تجارب جديدة للمتسوقين عن طريق الإنترنت فقط.

يمكن لأسواق التسوق عن طريق الإنترنت وخارج الإنترنت أن تتعايش وأن يكون هناك تكامل فيما بينها. فقد استفاد العديد من مراكز التسوق والمولات ومتاجر التجزئة من التوقف عن العمل العام الماضي لإدخال التحول الرقمي على عملياتها، وتطوير آلية عرض المنتجات وبيعها رقمياً، وبناء شراكات في مجال التجارة الإلكترونية.

في مولات كنان، أبرمنا شراكة مع أبرز شركة للتجارة الإلكترونية في المنطقة ألا وهي منصة "نون" لتوفير خدمات توصيل البضائع لزبائن مراكز التسوق التابعة لنا الذين يتسوقون عن طريق الإنترنت. وبإدخالنا لهذه الميزة الجديدة، فإننا نوفّر لزبائننا إمكانيات تسوّق جديدة من خلال الربط بين التسوق الرقمي والتسوق الشخصي في المتاجر، مع مواصلة توفير التجارب الشخصية ضمن المتاجر، التي يغنيها التواصل الإنساني القوي.



المستقبل الجديد يتطلب تقديم خدمة أفضل
لطالما كانت مراكز التسوق والمولات أماكن عصرية تلبّي مختلف الاحتياجات الاجتماعية، والعاطفية، والمكانية للزبائن. كما أن شهية المستهلكين وسلوكياتهم في أعقاب الجائحة فرضت على المولات أن ترتقي أكثر لتصبح مراكز للتجربة ووجهات تلبّي عدة أهداف في الوقت ذاتها. وهي قادرة على استعادة استقطاب زبائنها من خلال توفير عروض متنوعة وشاملة في مجالات تجارة التجزئة، والمتعة والترفيه، والطعام والشراب.

في عام 2020، أعطينا الأولوية لتحديد الفجوات الموجودة فيما نعرضه من خدمات ومنتجات في مولات كنان. وتماشياً مع المعطيات الحصرية التي نمتلكها عن مستقبل تجارة التجزئة، وضعنا استراتيجيات ووفرنا منتجات سوف تسهم في إعطاء أفضل تجربة تجارة تجزئة وأفضل قيمة لجميع أصحاب المصلحة لدينا، ولزوارنا، وشركائنا. وقد اكتشفنا منذ زمن طويل أن إعادة تطوير ممتلكاتنا بحلّة جديدة سيؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة أعداد الزوار والمبالغ المنفقة في متاجرنا.

وبما أننا أدركنا أن القرب من أهلنا سيظل يترك أثراً إيجابياً على قراراتهم عند اختيار المول الذي يريدون التسوق فيه، فقد بنينا حضوراً قوياً لنا في المملكة العربية السعودية، حيث إن شركة كنان تمتلك 10 مولات في 6 مواقع مختلفة في المملكة وهي واحدة من أكبر الشركات التي تدير مراكز تسوّق فيها.

على الرغم من القيود المفروضة على التنقل، والخلل الذي طال سلاسل التوريد، والنقص في اليد العاملة، إلا أننا تمكنا من الوصول إلى نتائج مالية إيجابية في عام 2020 حيث حققنا أرباحاً صافية. وبما أننا ننظر إلى المستقبل بالكثير من الثقة، فقد حددنا خططاً مثيرة للاهتمام في إطار استراتيجية ممتدة على مدار 5 سنوات تهدف إلى تعزيز حضور مولات كنان في مجال تجارة التجزئة وتحسين أدائها المالي.

كونراد كولانكيفيتش، الرئيس التنفيذي للعمليات في مراكز كنان التجارية

المصدر: traccs