في بيئة الأعمال الحالية التي تعج بالتغيرات والتحديات، يكتسب دور المدير أهمية أكبر من أي وقت مضى. إذ يعتمد النجاح والاستقرار بشكل متزايد على صناع القرار- من التمويل حتى العمليات والموارد البشرية- وقدرتهم على تحليل البيانات المتاحة. يتوجب على المديرين الآن التعاون والتآزر في الاستجابة كمؤسسة واحدة.

مع ذلك، لا يُنتظر من المديرين تحمّل العبء الهائل بمفردهم. تمثل إدارة البيانات الوفيرة المتاحة بين أيديهم تحدياً جديداً وغير مسبوق. ولا شك أن التأكد من أن المديرين يستغلون البيانات لصالحهم هو أمر حيوي، ويجب عليهم تخصيص الوقت اللازم للتحليل والاستشارة والتخطيط.

لعل الحل الذي تبحث عنه المؤسسات يكمن في أدوات التكنولوجيا المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي وأتمتة العمليات الروبوتية التي تستطيع إدارة مقادير ضخمة من البيانات الكبيرة.

محلل اليوم صاحب الرؤى في الغد
بينما تتحول الشركات لمواكبة السوق المتغيرة باستمرار، يتعين على المديرين تطوير أنفسهم في الوقت ذاته. يجب على المدير الحديث أن يكون متعدد المواهب، مع القدرة على الجمع بين مهارات إعداد التقارير ومهارات التحليل والتفكير الاستراتيجي القائمة على الذكاء العاطفي. في الواقع، بإمكان المديرين أن يكونوا أدوات تغيير في مختلف أقسام المؤسسة إذا تمتعوا بالدعم والإمكانات المناسبة.

بصفة عامة، اتبع المديرون على نحو تقليدي أسلوب رد الفعل تجاه المعلومات المتصلة بالعمل. فقد صنعوا القرارات بالنظر نحو الخلف وبنوا أحكامهم على الحدس والبيانات التاريخية. على أي حال، فإن الكميات القياسية من البيانات الآنية المتأتية من مصادر داخلية تقدم لهم طريقة جديدة في خلق القيمة.

واليوم تسمح التحليلات التنبؤية والبيانات للمديرين بالنظر نحو الأمام بدلاً من الخلف. إذ تمكّن قادة الأعمال من رصد التحديات والفرص الفورية وبعيدة المدى قبل حدوثها. على سبيل المثال، بإمكان مدير الموارد البشرية الذي يملك أدوات التحليل التبنؤي وبيانات الموظفين أن يتكهن بالموعد المحتمل لرحيل أهم الموظفين عن الشركة بناء على صفات وسلوكيات الراحلين السابقين. إنها تزود المديرين بفرصة الاستجابة على نحو استباقي بدلاً من ردود الفعل واتخاذ القرارات المناسبة لحث الموظفين على البقاء قبل تقديم الاستقالة أو ممارسة دور في مخططات التعاقب.

صنع بيئة للنجاح
المدير الحديث منظم بيانات ومحلل تنبؤي. إذ تمنحه الخبرة في البيانات قوة أكبر على الاستيعاب والابتكار في قسم العمل. وبالمقابل، فإنها تمكّن الشركة من التكيف بوتيرة أسرع وحيازة الفرص والقدرة على الاستجابة والمرونة والإشراف الفاعل على العمليات تحت الضغط.

مع ذلك، يجد المديرون أنفسهم في مجال غير مألوف مع ازدياد أهمية البيانات في مساعدتهم على مضاعفة مستويات الكفاءة. هناك مسؤوليات جديدة تقع أكثر فأكثر ضمن نطاق عملهم على صعيد الأمن السيبراني وحماية البيانات. ويكافح الكثير من المديرين في سبيل التعامل مع إدارة وحوكمة البيانات في وقتٍ يتسم بتغيرات هامة.



من الناحية العملية، ينفق صناع القرار في جمع وإعداد البيانات وقتاً يضاهي ما ينفقونه في تحليلها. وتؤدي هيمنة الأنظمة التقليدية وغياب الأتمتة إلى الحد من الإنتاجية الكلية. نتيجة لذلك، يعتقد 73% من العاملين في دول مجلس التعاون الخليجي بأن فرص الأتمتة تفوق مخاطرها. إن قضاء المزيد من الوقت على أساسيات إدارة البيانات لا يدع للمديرين وقتاً كافياً لتدارس القرارات الحاسمة بعناية.

من أجل استعادة التوازن، يتعين على المؤسسات تجهيز المديرين بما يلزم في تنظيم إدارة وحوكمة البيانات. إن تكامل المكاتب الأمامية والخلفية ضروري في ضمان التعاون والسرعة والمرونة. فمن خلال إقامة بيئة موحدة فقط يمكن للشركات مساعدة المديرين في إتمام مسؤولياتهم جميعها بسلاسة.

حين يصل المديرون إلى المجموعة ذاتها من البيانات المشتركة، ستقلّ خلافاتهم وتتاح لهم المزيد من الفرص المواتية للتعاون. على سبيل المثال، يستطيع مديرو الموارد المالية والموارد البشرية التنسيق بشأن تأثير سلسلة من التعيينات الجديدة أو الحاجة للفائض من العاملين.

ويتيح تكامل البيانات أدوات فاعلة للأتمتة. تعد أتمتة العمليات الروبوتية من الفئات الأسرع نمواً في السوق العالمية لبرمجيات الشركات، ويتوقع أن يصل إجمالي الإنفاق عليها إلى 2.4 مليار دولار بحلول عام 2022. وبينما تستعمل غالباً في المهام اليدوية، يمكن تعزيز أتمتة العمليات الروبوتية بالذكاء الاصطناعي لأداء معظم المهام الضرورية في الإدارة السليمة للبيانات.

يمكن للأتمتة أن تنقل العبء المرتبط بعمليات إدارة البيانات المرهقة والمتكررة من كاهل المديرين إلى الآلات، وأن تضمن الجودة في الوقت ذاته. تحرر هذه التكنولوجيا الجديدة المديرين الموهوبين بحيث يتسنى لهم تسليط التركيز على المهام الاستراتيجية الأساسية التي تحمي الشركة وتحقق الفاعلية وتخلق قيمة جديدة. تفيد التقارير بأن قيمة سوق دول الخليج للأتمتة الصناعية والإنشائية ستبلغ 10.3 مليار دولار بحلول عام 2023.

التحول جهد جماعي
يتضح شيء واحد من كل ما سبق. يكمن مستقبل الأعمال في الإنسان نصف الآلي لا الروبوت- فالأمر لا يتعلق بالاستعاضة عن الموهبة البشرية بالآلات المصممة لفعل ما يفعله الإنسان. يجب أن يتمثل الهدف في تعزيز قدرات المديرين بالتكنولوجيا للمساعدة على إتمام وظائفهم بفاعلية أكبر. في الواقع، سيحسّن الذكاء الاصطناعي إمكانية الحصول على العمل- بحسب غارتنر، من المتوقع أن يزداد عدد العاملين المعاقين بمقدار ثلاثة أضعاف بحلول عام 2023 بفضل ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من مساواة في الفرص.

لامتزاج التكنولوجيا بسلاسة مع الأفراد والعمليات مفعول السحر، بحيث تتيح تجارب ومخرجات أعمال متميزة تبعث على الدهشة والبهجة. إن الجمع بين الفاعلية الروبوتية والقرارات والمواهب البشرية يسلح المؤسسات بالقوة الكفيلة بتحقيق الريادة الفورية. حين تندمج هذه الجوانب، ستتمكن الشركات من الاستجابة السريعة للتغيرات بناء على اتخاذ قرارات مدعومة بالبيانات. إن المدير الجديد المدعوم بالتكنولوجيا والقادر على استخدام التحليلات التنبؤية في استشراف التحديات والاستفادة من الفرص سيكون جزءاً رئيسياً في نجاح الأعمال واستمراريتها.

على أي حال، يتعين على قادة الأعمال تزويد المديرين والفرق بالتكنولوجيا التي يحتاجونها للعمل بسرعة ومرونة. حينذاك، يمكنهم الاندماج مع جوانب الأعمال الأخرى من أجل تحفيز النمو والميزة التنافسية. التكنولوجيا أداة تمكين، لكن الموهبة تظلّ أهم مقومات الشركة.

غيرهارد هارتمان، نائب رئيس قطاع الأعمال المتوسطة في سايج أفريقيا والشرق الأوسط

المصدر: apcoworldwide