الأحد, 31 آذار/مارس 2019 07:54

نظرة على أماكن العمل في المستقبل

كتبه ميدي نافاني

تدخل تأثيرات عالم الخيال العلمي إلى حياتنا، لتبرز كحقيقة علمية بشكل متزايد. إذ تعمل التقنيات ذات التطور المتسارع، كل يوم وفي كل مكان، على إعادة بلورة حياتنا ومجتمعاتنا وأماكن عملنا بصورة جذرية. وعند النظر إلى المستقبل ذي الملامح الغامضة، نرى أن القوى العاملة والأطفال بحاجة إلى مهارات مختلفة للنجاح في بناء مستقبل مزدهر؛ مهارات جديدة لم تكن مألوفة بالنسبة لأجدادنا عندما كانوا في سن الشباب.

كما علينا أن نتكيّف بشكل يمكّننا من قيادة دفة التغيير، وإلا سنجد أنفسنا في رحلة لا يمكننا التحكم بمساراتها. وسنحتاج في عالمنا المستقبلي وأماكن عملنا الجديدة، إلى التفاعل بشكل أكبر مع الذكاء الاصطناعي، وإعادة هيكلة الوظائف، والعمل عن بُعد، بالإضافة إلى إيجاد طرق جديدة لتشكيل روابط اجتماعية هادفة في عالم يغزوه الواقع الافتراضي يوماً بعد يوم.

وبالنظر إلى طبيعة أماكن العمل في ستينيات القرن الماضي، نجد أن بيئات العمل الحالية تختلف تماماً عن تلك التي كانت سائدةً منذ نصف قرن. حيث تأثرت طريقة عملنا في العصر الحديث بالعديد من الاتجاهات الحديثة، أبرزها التطور التقني. ومن الأمثلة على التطورات التقنية التي غيّرت بشكل جذريّ أماكن العمل الحديثة، الذكاء الاصطناعي والأتمتة وإنترنت الأشياء، ولكن ما زال أمامنا الكثير من العمل والجهد لمواكبة المستقبل.

فعلى الرغم من التقدم التقني الهائل الذي وصلنا إليه، لا أحد يحمل إجابة موثوقة عن شكل أماكن العمل في المستقبل. ومع ذلك، قد يساعدنا القيام بتنبؤات مدروسة في وضع مخططات منطقية لعالم الغد، إضافة إلى جمع معارفنا ومواردنا، وبذل قصارى جهدنا لتحضير الجيل القادم من القوى العاملة لما يحمله المستقبل.

ويشير أحد التنبؤات المدروسة إلى توجهٍ مضاعف نحو اعتماد العمل عن بعد، حيث تعتمد المزيد من المؤسسات حلولاً سحابية لتوفير شروط عمل مناسبة للموظفين. كما يفتح العمل عن بعد الباب أمام تنوع غير مسبوق بين الفرق، حيث لم يعد هناك حاجة للموظفين للجلوس خلف مكاتبهم في نفس المكان، بل يمكنهم الانتشار في جميع أنحاء العالم والعمل كمنظومة افتراضية واحدة في مناطق زمنية مختلفة.

وتشير الأبحاث الحديثة أن ما يقارب 40% من العمال يعملون عن بعد بدوام جزئي على الأقل، بعد أن كانت النسبة 9% في عام 1995. إذ تعمل الشركات اليوم على استخدام أدوات لجذب الأشخاص الموهوبين من جميع أنحاء العالم، فهي توفّر لهم من خلال هذه الوظائف حرية ممارسة حياتهم في المكان الذي يختارونه، وتتيح لهم إمكانية النجاح والتألق خلال مسيرتهم المهنية. كما يضمن استخدام تقنيات السحابة في العمل تعاوناً سلساً بين الزملاء خلال الوقت الحقيقي، ما يسهم في تحسين فعالية التواصل بين أفراد الفريق الذي يعمل عن بعد.

ومن غير الممكن مناقشة طبيعة أماكن العمل المستقبلية دون الحديث عن إنترنت الأشياء، الذي تعرّفه موسوعة ’ويكيبيديا‘ بأنه "شبكة من الأجهزة مثل المركبات والأجهزة المنزلية تحتوي على الإلكترونيات والبرامج وأجهزة الاستشعار والمشغّلات ووسائل الاتصال التي تسمح لهذه الأجهزة بالاتصال والتفاعل وتبادل البيانات". حيث سيلعب إنترنت الأشياء في المستقبل دوراً محورياً في طريقة عملنا وكيفية إدارة الأعمال.

تتولى تقنيات إنترنت الأشياء مسؤولية الأنظمة التي يمكنها قراءة روتين الموظفين وضبط درجة الحرارة أو الإضاءة تلقائياً حسب تعابير وجوههم داخل المكتب أو خارجه أو اعتماداً على الوقت خلال اليوم -سواء كانت الحرارة مرتفعة أو منخفضة- وذلك لجعل مكان العمل أكثر كفاءةً في استهلاك الطاقة. ويدرس إنترنت الأشياء حركة الطاولات والمقاعد في المكاتب لاكتشاف الوضعية التي يتخذها الموظفون أثناء العمل، وضبطها تلقائياً لتناسبهم من الناحية الفيزيولوجية. كما ستشتمل تقنيات إنترنت الاشياء مستقبلاً على أبسط المهام لبناء أماكن عمل أكثر سهولة وسرعة وفاعلية.

من ناحية أخرى، يفرِض علينا التفكير بأماكن العمل في المستقبل التطرّق إلى عالم البيانات الضخمة، وهو مصطلح أصبح شائعاً بين أوساط الكثيرين. وبالتزامن مع زيارة ارتباط حياتنا على نحو مستمر وأكثر شمولية باستخدام الأدوات الرقمية التي توفرها هواتفنا الذكية، مثل التطبيقات وأنظمة التحّكم بإنترنت الأشياء ومحرك البحث الأبرز ’جوجل‘ والمعيار الجديد لتخزين بيانات حياتنا في تطبيق السحابة بدلاً من الخزانة، يتم إنشاء حجم هائل من البيانات كل ثانية، ما يوفر فرصاً غير مسبوقة لتحليل وتفسير كل شيء؛ بدءاً من الأنماط السلوكية للمستهلك ورضا الموظف عن مكان العمل إلى الحركات الاجتماعية والاقتصادية الهائلة.

إذ يمكن للمؤسسات، المُطّلعة على المعلومات المستخلصة من البيانات الضخمة، تطبيق تغييرات جذرية وأكثر ارتباطاً بأنظمتها الداخلية والخارجية، مع تعزيز قدرتها الإنتاجية وراحة موظفيها في آن واحد. وبناءً على ذلك، ستتطلب أماكن العمل في القرن القادم بشكل مؤكد التواصل مع الأفراد الموهوبين، ومَن يمكنه تصميم هذه الشبكات والتطبيقات التي ستعيد تعريف المستقبل.

لذا فإن النقطة الأبرز التي ينبغي التفكير بها في ضوء هذه التطورات تتمثل في الدور الكبير الذي تلعبه التكنولوجيا في المعالجة الآلية للعمليات على مستوى العالم، والذي يقف في طريقه المخاوف واسعة الانتشار من حدوث انخفاض كبير في مستويات التوظيف. ومن هنا، يتمحور الحل الرئيسي حول سعينا لاكتشاف تطوّر النُهُج التي تركز على الإنسان وسبل القيادة، وبالتالي التفريق بشكل واضح بين ما يمكن للبشر أن يقدموه مقابل ما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات بشكل أفضل.

وعلاوة على ذلك، يرسم التأثير السائد لوسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات أسلوب الحياة في مجتمع اليوم صورة واضحة تعكس الحاجة إلى بذل كل طاقتنا من خلال استثمار الأدوات المتوافرة لتعزيز التوازن البشري، وذلك عبر بناء شبكات تواصل اجتماعية متينة و"أكثر واقعية" ودعماً للحياة، من أجل تحقيق تفاعل هادف بين الزملاء في مكان العمل، وأفراد العائلات، والمجتمع ككل.

كما يجب ألا ينحصر استخدام ثمار التكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء لتحقيق مكاسب تجارية فقط، بل من أجل تمكين الرفاهية والتسامح والاستدامة وتعزيز نتائج أسلوب الحياة للعمال والعائلات والمجتمعات ككل. ويمكن أن يشمل ذلك كل شيء من التعليم الابتدائي، إلى الرعاية الصحية، والحياة الاجتماعية السعيدة والمتوازنة سواء للمراهقين أو كبار السن. لذا فإن مسؤوليتنا اليوم هي رعاية وتنمية رأس المال البشري لتحقيق النمو المستدام، ورسم أكثر الملامح إشراقاً لصورة أماكن العمل في المستقبل.


ميدي نافاني، المدير التنفيذي والمؤسس في شركة Design Haus Medy