الثلاثاء, 01 أيار 2018 07:16

هل نحن أمام استنزاف للملكية؟

كتبه بيتر جارنري

بقلم بيتر جارنري، رئيس استراتيجيات الأسهم ساكسو بنك

 

تتعرض الملكية للضغط على عدة جبهات، بدءاً من الحرب التجارية المحتملة، وحتى الأرقام المخيبة للاقتصاد الكلي واللوائح التنظيمية التكنولوجية. يعتبر توخي الحذر أمراً فائق الأهمية في بيئة كهذه، ومن المفيد تنويع المحفظة واعتماد خيارات دفاعية.

شهد الربع الأول كل أشكال الأحداث الممكنة، بدءاً من بداية أقوى سنة منذ عقود، وحتى أكبر حركة ليوم واحد في مؤشر التقلبات (VIX) على مدى السنوات العشر الماضية، ما يعكس حقيقة أن تقلبات البيع كانت تشهد حالة التداول الأكثر اكتظاظاً في الأسواق المالية التي عاشت شتى صنوف الدراما.

ومع بداية 2018، بدأت توقعات التضخم تدفع بالأسعار أعلى، مع رفع ثقة الاحتياطي الفيدرالي بالخطوات التي أعلن عنها لزيادة أسعار الفائدة، غير أن الأرقام المخيبة للآمال جاءت في نهاية المطاف لتضع حداً لحالة اليقين هذه، جاعلةً التضخم واحداً من أصعب الأحاجي الاقتصادية المعاصرة. وقد عانت التكنولوجيا من أول كبوة كبيرة لها في السوق منذ سنوات بسبب فضيحة بيانات ’فيسبوك‘، والتي صعقت المستثمرين الواثقين من أن استخدام الشركة للبيانات الشخصية خاضع للوائح تنظيمية صارمة. ويبدو أيضاً بأن الولايات المتحدة الأمريكية والصين تسلكان مساراً تصادمياً في شؤون التداول، ما قد يشكّل خطراً على النمو العالمي.

وقد انحدرت الدول العشرة الكبار مما كان أفضل أداء كلي قياساً بالتوقعات منذ الربع الثاني 2010، إلى ما يعتبر أسوأ أداء لها تقريباً منذ عام 2013. وعند هذه النقطة يتمحور السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة لكل المستثمرين حول إذا ما كانت الملكية تعاني من حالة استنزاف، وكيف يمكن الحد من المخاطر.

الأساسيات مقابل المنظور

سيدور الصراع الرئيسي خلال الربع الثاني بين الأساسيات من جهة والمنظور من جهة ثانية؛ فقد شهد الربع الأول موسم أرباح عالمية وصلت نسبتها إلى 10%، بعد الاستفادة من الظروف التي أتاحها وضع الاقتصاد العالمي، والذي كان في حالة جيّدة نسبية على مدى الأشهر الستة الماضية. وقد أشار ’مؤشر شيكاغو الفيدرالي للنشاط الوطني‘ (CFNAI) بحلول فبراير بأن النشاط الاقتصادي الأمريكي قد بلغ مستويات أعلى بكثير من المنحى التاريخي، غير أن هذه القراءات تعتبر أخباراً قديمة سلفاً وقد تجاوزتها السوق بأشواط، وليس من المستبعد أن يعود هذا المؤشر إلى مساره مجدداً بحكم الضعف السائد على المشهد في الآونة الأخيرة.

وفي هذه الأثناء ينصب تركيز المستثمرين على كل من "حرب" التداول المحتملة والأرقام المخيبة للبيانات الكلية مؤخراً، إذ ستلقي هاتان القوتان بظلالهما على مكاسب الربع الأول، ما سيحول دون تعزيز ثقة المستثمرين. وقد اتخذنا خلال فبراير وضعاً دفاعياً في التوزيع الديناميكي للأصول، وبالتالي ما زالت نظرتنا سلبية حيال نسبة المخاطر إلى العائدات، والتي تبدو منخفضة عند هذه النقطة.

وننصح المستثمرين باعتماد مواقع دفاعية إلى حد بعيد في قطاعات مثل الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية الأساسية، إلى جانب القطاعات الحساسة للفائدة مثل الخدمات العامة والاتصالات بما أن التوقعات حيال أسعار الفائدة قد تتعرض لضربة في الربع الثاني ريثما تستوعب الأسواق التغيرات في المشهد. 

وضع حرج في وادي السيليكون

تعرض قطاع التكنولوجيا الأمريكي لهبوط بالتوازي مع التراجع العام لسوق الملكية في فبراير، ليخسر نحو 11% خلال أسبوعين، غير أن التوق للنمو دفع المستثمرين إلى أسهم التكنولوجيا مجدداً، لينهض بالقطاع إلى قمة جديدة تماماً في أواسط مارس، ولكن فضيحة بيانات ’فيسبوك‘ أدت إلى موجة بيع جديدة تم تضخيمها بسبب التعليقات السلبية للرئيس ترامب حول ’أمازون‘، والتي أخافت المستثمرين وأثارت القلق حول إمكانية خضوع الموقع للتنظيمات الصارمة قريباً.

وبالرغم من هذه النكسات خلال الربع الأول، فإن المجموعات الصناعية الثلاثة التي تشكل القطاع التكنولوجي العالمي تحتل أماكن متقدمة بين المجموعات التخصصية الخمس (أي المجموعات المتخصصة في قطاع معيّن) الأفضل أداءً خلال الربع الأول، علماً بأن سبعاً فقط من أصل 24 مجموعة تخصصية نجحت في تحقيق ارتفاع ضمن أسواق الملكية العالمية في الربع الأول.

ويعكس كل ذلك قوة القطاع التكنولوجي، والذي تشير قيمته الحالية إلى أن تداوله في الولايات المتحدة يجري عند نسبة 8% أعلى من متوسطه التاريخي منذ 1994، في حين أوضح مؤشر ’ستاندرد آند بورز 500‘ بأن القطاع أعلى من المتوسط بنسبة 21%. وفاقت قيمة القطاع التكنولوجي الأمريكي مؤشر ’ستاندرد آند بورز 500‘ بنسبة 22% في مارس 2018، غير أن هذا القطاع سجل نمو أرباح بنسبة 8.3% منذ 1994 قياساً بـ4.7% في المؤشر؛ وفي حين يعتبر أحد هذين الأمرين من الماضي، فإن الآخر يمثّل المنظور المستقبلي للقطاع التكنولوجي.

وقد اتسمت السنوات الـ15 الماضية بكونها فريدة من نوعها من حيث الانفتاح في التعامل مع شؤون الخصوصية، إذ قدّم الناس معلوماتهم الشخصية مقابل الحصول على خدمات إنترنت مجانية في ’جوجل‘ و’فيسبوك‘ و’تويتر‘ و’لينكد إن‘، ووقعوا على شروط وأحكام ’آبل‘ و’آمازون‘ التي تسمح لهذه الشركات باستخدام البيانات الشخصية لمجموعة واسعة من الأغراض، ولكن من المرجح أن تنعكس الصورة على المدى الطويل مع ازدياد حرص الناس على خصوصية بياناتهم.

وقد أصبحت فضيحة ’فيسبوك‘ بمثابة نموذج عام عن الخلل الكامن في السماح لشركات التكنولوجيا باستخدام البيانات الشخصية، غير أن الاتحاد الأوروبي لطالما لعب دوراً فاعلاً في ضبط كبريات الشركات التكنولوجية الأمريكية، مثل فرضه غرامة على ’فيسبوك‘ بسبب الإفصاح غير المشروع عن صفقة ’واتساب‘، وملاحقته لـ’آبل‘ بسبب تقصيرها في دفع الضرائب ضمن الاتحاد (قامت ’آبل‘ بتسديد 15.4 مليار دولار في ديسمبر 2017)، وتغريم ’جوجل‘ مبلغ 2.7 مليار دولار أمريكي عن أول قضية لمكافحة الاحتكار، وتغريم ’آمازون‘ مبلغ 250 مليون جنيه استرليني عن شؤون ضريبية. وتنظر دول أخرى بعين الاهتمام إلى التجربة الأوروبية، مع تفكيرها باعتماد موقف صارم حيال الشركات التكنولوجية، ولاسيما تلك التي تستخدم البيانات الشخصية.

ونتوقع بأن نشهد بداية تضييق وتقييد واسع النطاق لأنشطة الشركات التكنولوجية الرائدة مع دخول ’اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات‘ (GDRR) حيز التنفيذ اعتباراً من 25 مايو 2018، وإقرار ضريبة العائدات التكنولوجية المعتزم فرضها بهدف موازنة التحكيم الضريبي عبر نقل الأسعار، ونرى بأن دولاً أخرى ستتبع هذا النموذج، ما سيكون له أثر على الربحية طويلة المدى، ولا شك بأن ’اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات‘ ستكون بداية نهاية "صفقة الإنترنت الكبيرة" بالصيغة التي طرحتها مجلة ’هارفرد بيزنس ريفيو‘.

وفي حين أن نظرتنا لا تتسم بالسلبية حيال الشركات التكنولوجية على المدى الطويل، غير أننا نتوقع أن تكون الشركات الناجحة منها هي تلك التي تعمل على إيجاد حلول تكنولوجية دون الحاجة لاستخدام البيانات الشخصية، بما يشمل حلولاً أفضل في تقنيات البطاريات، والروبوتات، و/أو الأتمتة. لذا ننصح المستثمرين بتجنب الشركات الكبيرة التي تستخدم كميات كبيرة من البيانات الشخصية، والتركيز بدلاً من ذلك على شركات القطاعات التقنية الصغيرة ذات الطابع الخاص.

الاستثمار في التوجهات بعيدة المدى

تتمحور البحوث والتعليقات العادية بخصوص الأسهم العالمية حول المناطق والقطاعات، كما أن الأسهم الكبيرة مثل ’آبل‘ و’أمازون‘ لا تحظى باهتمام يتناسب مع حجمها في ظل خضوع العالم الاستثماري لمؤشرات الملكية المقاسة برأس المال في الأسواق الحرة، ولكن أهم المشاكل التي تنطوي عليها المنهجية الحالية في التعامل مع أسواق الملكية تكمن في تجاهلها للعلاقات المتقاطعة الوثيقة الناجمة عن العولمة، وإغفالها لأهم "التوجهات الكبيرة" في المجتمعات.

وفي عام 2018 نعتزم زيادة تركيز أبحاثنا على المواضيع ذات الصلة بالملكية، نظراً لسهولة بلورة هذه المواضيع في أعين العملاء وإمكانية ربطها بالتغييرات الاجتماعية الحقيقية. ويعمد الكثير من المزودين ضمن قطاع الصناديق المتداولة في البورصة - والذي يتسم بسرعة نموه- إلى تأسيس صناديق جديدة ولافتة للاهتمام تغطي أهم شؤون الملكية التي كانت في السابق حكراً على المستثمرين رفيعي المستوى، ونحن نطمح لتوفير أفكار ونصائح مفيدة طوال 2018 بخصوص هذه المواضيع الهامة التي ستعيد تشكيل ملامح مجتمعاتنا على مدى العقود القادمة.

ووفقاً لبحوثنا الأولية، فإن أهم المواضيع ذات الصلة بالملكية خلال الربع الثاني تتعلق بتقنيات البطاريات، والصناعات الدوائية الثورية، والتجارة الإلكترونية، والبنية التحتية للطاقة في الولايات المتحدة، والأمن الإلكتروني، وهي محاور من شأنها إتاحة هامش عائدات استثمارية كبيرة نسبياً خلال الربع الثاني. وبالمقابل، فإننا نرى بأن المواضيع الأقل أهمية تتمثل في ما يلي: التكنولوجيا في الولايات المتحدة، والسفر والترفيه، والهند، وفيتنام، وإعادة الشراء.

نسبة المخاطر إلى العائدات تبدو غير مشجعة

تتقاطع العديد من التوجهات في آن معاً بعد تسع سنوات من التوسع العالمي، ويبدو بأن الولايات المتحدة والصين تسلكان مساراً تصادمياً من حيث سياسات التداول، فيما تتعرض المؤسسات متعددة الأطراف للهجوم، ما يهدد بتأخير الاستثمارات المؤسسية وإبطاء الاقتصاد. كما يشهد الشرق الأوسط ارتفاعاً في المخاطر الجيوسياسية بحكم ازدياد التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا، مع الإشارة إلى أن تعزيز صرامة اللوائح التنظيمية المفروضة على الشركات التكنولوجية قد يؤثر بدوره على معنويات المستثمرين. وعلاوة على كل ذلك، فإن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ما زال يلمح إلى إمكانية رفع أسعار الفائدة، ما يزيد بالتالي تكاليف التمويل، ما يعني بأنه يجدر بالمستثمرين أن يبدؤوا خفض انكشافهم على الشركات غير المالية ذات الرافعة العالية.

وفي هذه الأثناء لم تعد نسبة المخاطر إلى العائدات مشجعة كما كانت بالنسبة للملكية على مدى السنتين القادمتين، وذلك مع وصول مؤشر ’مورغان ستانلي العالمي لرأس المال‘ (MSCI World Index) إلى معدلات تفوق المتوسط، وبروز العديد من المخاطر الكبيرة في المشهد الكلي، ولكن بالمقابل ثمة ارتفاع في أسعار الفائدة العالمية، وهو ما يعزز مكانتها كبديل عن الملكية. وعند هذه النقطة، ومع الاحتمال الكبير لحدوث ركود خلال العامين القادمين، فإن المنظور العام لا يشجع على اتخاذ وضع جريء ومواقع ثقيلة في ملكية الأسهم.

ويجب أن تكون المحافظ أكثر توازناً مع الميل إلى القطاعات الدفاعية من حيث الانكشاف على الملكية.

وعلى المدى الطويل (5 إلى 7 سنوات)، من المرجح أن يكون أداء الملكية أفضل من السندات إذا لم يشهد العالم فترة طويلة من الانكماش المترافق مع انخفاض معدلات النمو.