واقع الأزياء من منظور فالنتيني

تتميز العوالم الإبداعية المتعددة للفنان لوكا فالنتيني بقدرتها على توليد قوى دافعة غير مسبوقة شكّلت في أبعادها محفّزات ملهمة للمستهلكين والنقاد على حدّ سواء. ويكشف لنا الفنان الإيطالي المتألق في عالم الموضة عن ماضيه الخاص وشغفه باستحضار المفردات الجمالية وتخيلاته الحالمة، وذلك من خلال أعماله الفنية المعشّقة بالرموز والاستعارات الإبداعية.

وتعكس مقاربة فالنتيني بكل ما فيها من عوالم فنيّة شخصية، ومن خلال محطاتها انطلاقاً من روما ووصلاً إلى دبي، عن رؤية شاملة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، حيث يكمن التماهي والاندماج بين الأنواع والأجناس، ضمن سياق يجذب انتباه عشاق الفن من كافة الأعمار والمشارب الثقافية حول العالم، وعبر مسار إبداعي يرسم في حضوره صورةً تبدو كما لو أنها الأكثر نقاءً وتجلياً على الإطلاق.

ومن الواضح أنّ البعد الكلاسيكي للبيئة الثقافية التي يعيش فيها فالنتيني وطريقته الحديثة في الرسم، والتي تتناغم مع مواضيعه المعاصرة، وعمق رسائله الهادفة، جعلت من هذا الفنان شخصيةً إنسانيةً مميزة تضفي قيمةً جوهريةً إلى عالم الفن.

ويمتلك فالنتيني موهبةً فنيةً فائقةً، حيث يقوم برصد وإعادة توظيف الإشارات المرجعية إلى نقطة يكتنفها إحساسٌ جوهري بالحيرة والذهول، بالرغم من المظهر المألوف الذي توحي به للوهلة الأولى. ومن الطبيعي أن يمثّل الكشف عن مصادر فالنتيني ومكامن إلهامه أمراً مثيراً للاهتمام بالنسبة لمتابعي الموضة الذين يستهويهم تحليل الفن وتفكيكه إلى عناصره البسيطة. بينما قد يستمتع الآخرون بالطبقات المتراكبة التي تجمع العناصر المبهمة والواضحة في بوتقة واحدة، مكتفين بمعرفة أن هنالك قصةً هادفةً من وراء العمل الفني، وبأن غموضها وجمالية استعاراتها يمنح المضمون مزيداً من الجاذبية.

ولكن الحقيقة النابعة من صوره الجريئة المتماهية مع الاستعمال المذهل للتدرجات أحادية اللون تشير إلى معنى الحياة كحالة دائمة من الكينونة، حيث يعلق فالنتيني على ذلك بقوله: "من المستحيل امتلاك المستقبل لما فيه من غموض وإبهام وصور معلّقة في التباينات الأزلية لألوانه".

وفي حديثه عن أحدث مجموعاته الفنية الجريئة بعنوان "أساطيرنا"، أكّد فالنتيني على أن الشخصيات الشهيرة التي يقوم بتصويرها والغارقة في أحضان سلسلة من الرموز والاستعارات ضمن عمله تمثّل معنى "النقاء غير الملوّث"، والذي جسده من خلال إعادة صياغة الأغلفة الشهيرة للصحف والمجلات مع الإصرار الشديد على القيمة الأيقونية في أبعادها.

ويقول الفنان المبدع في هذا الصدد: "ألعب مع لوحتي بكل عفوية، وأهدف إلى إيصال رسالة بطريقة خارجة عن سياق المألوف والتقليد، حيث أرغب في وضع لمسة خاصة على أغلفة المجلات والإعلانات التي تعبّر عن انعكاس معين في عيون الآخرين. فالأمر بالنسبة لي يتعلّق في إبراز ما لا يمكن رؤيته في الإعلانات العادية للعلامات التجارية".

وأضاف: "أنا أستوحي رؤيتي من كل تفصيل ينال إعجابي أو يلفت انتباهي، سواء ارتبط الأمر بالموضة أو الموسيقى أو الأفلام أو العروض المسرحية، حيث أسعى لتوليد حكاية أو مغزى لكل غلاف مجلة وإعلان أقوم بإبداعه. وعادةً ما يحظى عارضو الأزياء والممثلين والموسيقيين بمحبة وإشادة مطلقة من الجمهور، ولكني أضع جميع البشر في منسوب واحد من التساوي. فجميعنا يتكون من لحم وعظم وعضلات، لذلك أعتقد بأنه لا حاجة لتمجيد الشخصيات الشهيرة".

وتقدم لوحة ’Action Painting‘ لفالنتيني عملاً فنياً ثلاثي الأبعاد تعكس المواد المستخدمة ضمنه روح الفن المعاصر، ولكنها تُغني حضورها بالمزج بين مفردات فن الشارع والتعبيرية الألمانية الخالصة، لتصبح لوحته "كوناً متداخلاً من الاقتراحات والمعاني". وبهذه الطريقة يعبّر فالنتيني عن قدرته على تحويل مساحات أعماله إلى فضاءات عالمية وكونية، "يقوم بترويضها من خلال الهواجس المميزة التي تثير المخاوف، وتطرح الأسئلة وتجيب عليها". ويقترح فالنتيني أن عالمه ليس عالماً استعطافياً يسعى خلاله لكسب الرضا، وإنما يشكّل بيئةً من القوّة والتوتّر.

ولم يحن بعد الوقت الذي يتآلف فيه عمله الفني، لأن إيقاعاته تحدّثنا عن فنان فضولي يرغب في تجربة لغات جديدة، فنان يسمح لنفسه أن ينغمس في بحر من الإلهام بعيداً عن الخوف وإشارات التبجيل.


المصدر: atteline