Language

وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التغيرات المناخية بأنها "خدعة" بينما العالم ما يزال يحاول استيعاب القرار التنفيذي الذي اتخذه الأسبوع الماضي ليلغي فيه الإجراءات البيئية التي كانت سلفه باراك أوباما قد وضعها، ويقضي قرار ترامب بخفض تمويل وكالة حماية البيئة الأمريكية لسياسات التغير المناخي بمقدار 100 مليون دولار أمريكي.

ورغم أن للرئيس ترامب الحرية في آرائه الشخصية إلا أنه هل يحق له أن يقرر كيفية تعاطي بلد بأكمله مع هذه المشكلة المتنامية؟ برأيي الإجابة هي: لا.

أبحث في كتابي ’ميزانية الطاقة‘ كيف أنه ينبغي أن تكون الطاقة والبيئة فوق السياسات، إذ لا يجب أن تترك القرارات المختصة بهذه المسائل الحساسة بيد شخص واحد.

أرى بضرورة وجود مجلس إدارة لوزارة الطاقة في أي بلد، يضم هذا المجلس رئيساً لمجلس الإدارة ومجلساً من المحافظين كما هو الحال مع البنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، ولا يحصل رئيس مجلس إدارة البنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي ونائبه ومجلس المحافظين على التمويل من الكونجرس وتدوم مدة عضوية كل من الأعضاء السبعة أكثر من مدة الولاية الرئاسية، وما أن يتم تعيين أحد أعضاء مجلس المحافظين من قبل الرئيس فإن هذا العضو يعمل ويتخذ قراراته بشكل شبه مستقل،  وهذه هي الطريقة التي ينبغي أن تعمل بها دوائر الطاقة، وعلى هذا المنوال وأن تترك لها صلاحية اتخاذ القرارات في استخدامات الطاقة.

وبالطبع فإن الخطوات التي يتخذها ترامب لإلغاء معامل توليد الطاقة النظيفة التي باشر أوباما بها -والرامية لتخفيض الانبعاثات بنسبة 32% بحلول العام 2030- وإلغاء التشريعات الصارمة لاستخراج الفحم في قطاع يوظف 83 ألف أمريكي سوف تستغرق سنوات لتنطلق إذ يتعين عليه أولاً إيجاد قوانين وسياسات جديدة لتحل محل تلك التي يستبدلها.

شهد العامان الأخيران في ولاية الرئيس أوباما تسارعاً نشيطاً في التوجه البيئي ولم يملك الكثير من الوقت خلال توليه المنصب لتحقيق نتائج كبيرة في هذا المضمار، وبالمثل فإن القوانين التي يضعها ترامب سوف تحتاج لسنوات كي تتخذ آثارها شكلاً ملموساً، كما أن بعض القوانين يجب استبدالها بقوانين وسياسات جديدة تحل محلها والتي بدورها قد تحتاج لسنوات من الإعداد.

يلاحظ قراء كتابي ’ميزانية الطاقة‘ أني قد رسمت خارطة انبعاثات غازات الدفيئة خلال فترات حكم آخر 3 رؤساء للولايات المتحدة الأمريكية. خلال رئاسة كلينتون/جور كانت النسبة 13.1% تلاه انخفاض بسيط قدره 0.3% خلال حكم الرئيس بوش وانخفاض بنسبة 7.2% خلال ولاية الرئيس أوباما حتى عام 2013، وقد جاء آخر تحديث لبيانات فترة رئاسة أوباما لتشير إلى انخفاض بنسبة 5.5% في انبعاثات غازات الدفيئة خلال عام 2014 بالمقارنة مع عام 2008. لذا سيتعين علينا الانتظار لنرى ما الذي سيحدث في عهد الرئيس ترامب، ويجب أن نحكم على الرؤساء بحسب أفعالهم وليس حسب ما يقولون.

أما بخصوص تعهّد ترامب بإعادة إنعاش قطاع الفحم فإنه من الجدير بالذكر أن الفحم قد عانى تقلباً في الإنتاج تراوح بين 1,074 مليون طن أمريكي أنتجت عام 2000 عندما كان الرئيس بوش يتولى الرئاسة ليرتفع إلى 1,172 مليون طن أمريكي عام 2008 خلال فترة رئاسة أوباما ليعود فينخفض إلى 738.7 مليون طن أمريكي عام 2016 عندما تولى ترامب سدة الحكم في الولايات المتحدة. يشكل الفحم والنفط أكبر معضلتين في العالم على الصعيد البيئي نظراً لمعدلات التلوث المرتفعة التي يتسببان بها إلى جانب كونهما الأقل كلفةً واستمراريةً بين مصادر الطاقة الموثوقة.

عندما يأتي الأمر للتعامل مع مسألة التغير المناخي وانبعاثات غازات الدفيئة والبيئة فيجب أن ندرك الطبيعة المعقدة للطاقة واعتمادنا المتزايد عليها؛ ويرسم كتاب ’ميزانية الطاقة‘ إجراءات عملية وحلولاً بيئية ذاتية التمويل تتجاوز ظروف العالم اليوم.

بالعودة إلى توصيف ترامب للتغيرات المناخية باسم "الخدعة" فأنا عندي إجابة واحدة لمن ينكرون العلم والحقائق، والذين باعتقادي هم قلة قليلة: أطلب من هؤلاء الأشخاص أنه حتى ولو فرضنا أنهم على حق، فأين الضرر بأن نخفف تلوث الهواء ونحمي مواردنا؟ ومن هذا المنظور يتفق معي هؤلاء المتعرضون بأن هذا لا يضر. وإذا فرضنا أنهم على خطأ وأن رأي الأكثرية هو الصحيح، فما الذي سيحصل عندما ترتفع درجة الحرارة في غلاف كوكب الأرض ليس 1.5 إلى 2 درجة مئوية كما هو متفق عليه في (اتفاقية باريس للدول الأطراف) COP21 بل إلى 3 أو 4 درجات مئوية؟ ما الذي سيحدث عندئذ؟

أغلبية سكان الولايات المتحدة وحاكمي الولايات ومحافظي المدن الكبرى يعملون بفاعلية لتحسين الواقع البيئي، وتسير الولايات المتحدة الأمريكية على الطريق الصحيح على المدى الطويل ولا أعتقد أن ترامب سيتمكن من التأثير بشكل يحرف هذا المسار الإيجابي.

تشكّل بعض التقنيات الحديثة مثل تبريد المناطق والتوليد الثلاثي للطاقة والمتكاملة مع مصادر الطاقة المتجددة وتخزين الطاقة الحرارية على مستوى المياه الحارة أو المبردة حلولاً هامة تتميز بجدواها الاقتصادية والبيئية خاصة وأنها لا تحتاج إلى تمويل حكومي؛ كل ما تحتاجه هو الجرأة واتخاذ المبادرة في الولايات المتحدة ومختلف أرجاء العالم مما سيعود بتأثير إيجابي على هذا القطاع والبيئة في آنٍ واحد.

 

لمحة عن جورج برباري:

حصل جورج برباري على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من الجامعة الأميركية في بيروت عام 1985. وتلقى أيضاً جائزة عام 2007/2008 للخريجين المتميزين في اختصاص الهندسة الميكانيكية من الجامعة ذاتها.

يشغل جورج منصب المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة ’دي سي برو للهندسة‘: وهي شركة استشارات كهربائية ميكانيكية متخصصة بمجال خدمات طاقة المناطق والتصاميم المستدامة للبنية الميكانيكية والكهربائية والضخ في المباني الخضراء. وتمتلك شركة ’دي سي برو للهندسة‘ ثلاث شهادات ISO (ISO 9001, 14000 & 18000) إلى جانب أكثر من 70 موظفاً من الخبراء العاملين ضمن مكاتبها الستة.

وحصلت شركة ’دي سي برو للهندسة‘ على أكثر من 14 جائزة في تاريخها الحديث، كما قامت بوضع أكثر من 5 لوائح تنظيمية حكومية.

كما قامت الشركة بتصميم أكثر من 2،800،000 طن من أنظمة تبريد المناطق في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسها، إلى جانب وضعها لأكثر من 70 مليون قدم مربعة من تصاميم البنية الميكانيكية والكهربائية والضخ للمباني الخضراء، بما يشمل برج المملكة الجديد في جدة الذي يعتبر أطول مبنىً في العالم وباقة من المشاريع المتفرقة بين كندا وأستراليا مع التركيز بصورة رئيسية على منطقة دول مجلس التعاون الخليجي.

ويمتلك جورج 31 عاماً من الخبرة في مجال التدفئة والتهوية وتكييف الهواء بمنطقة الشرق الأوسط، حيث لعب دوراً هاماً في ريادة قطاع تبريد المناطق في المنطقة عام 1995 وساهم في معظم مشاريع قطاع التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والاستخدام الأمثل للطاقة في الشرق الأوسط.

وعمل جورج على نقل عشرات التقنيات إلى منطقة الشرق الأوسط وريادة العديد من التطبيقات الجديدة في مجالات تكييف الهواء وتوليد الطاقة والاستخدام الأمثل للطاقة.

ويعتبر جورج رائداً في مجال الاستدامة على مستوى المنطقة مع تحقيقه لـ ’أفضل مقاربة تصميمية‘ عن أعماله في مدينة مصدر (أول المدن المحايدة للكربون) متبوعةً باثنين من المشاريع الحائزة على العديد من الجوائز يتمثلان بالمحطة الأكثر كفاءة للتوليد الثلاثي للطاقة في مجمع البستان شمال العاصمة السعودية الرياض، وتشغيل محطة التوليد الثلاثي للطاقة في حديقة ’إنوفيشن بارك‘ بالتزامن مع منظومة لتوليد الطاقة الشمسية بقدرة 1 ميجاواط مع أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء الفريدة من نوعها وأنظمة مراكز البيانات.

وقبل انضمامه إلى شركة ’دي سي برو للهندسة‘، عمل جورج كمدير لقسم الهندسة وكان أحد الأعضاء المؤسسين الرئيسيين في الشركة الوطنية للتبريد المركزي ’تبريد‘ في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث عمل لمدة 10 سنوات. كما سبق له أن شغل منصباً في إدارة المبيعات ضمن شركة ’يو تي سي كاريير‘ في دولة الإمارات لمدة 5 سنوات، ومنصب مدير العمليات لدى مجموعة ’تيكمو‘ الصناعية في لبنان لمدة 5 سنوات أيضاً.

وقام جورج بإطلاق العديد من المنشورات مثل كتاب ’ميزانية الطاقة‘ إلى جانب العديد من الأبحاث في صحيفة ’الجمعية الأمريكية لمهندسي التبريد والتدفئة وتكييف الهواء‘ (ASHRAE) ومجلتي ’إم إي بي‘ (MEP) و’كلايمت كونترول‘ (Climate Control).

وكان جورج قد ترأس وأدار 38 مؤتمراً لتبريد المناطق والاستدامة كما قام بتقديم 68 عرضاً تقديمياً عاماً في مجالات تبريد المناطق والمباني الخضراء في منطقة دول مجلس التعاون لخليجي ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ (سنغافورة وماليزيا) والولايات المتحدة.

 

المصدر: أم سي إس أكشن